الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 210 - وَعَنْ جَرِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ، وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي الْحَشْرِ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرْهَمِهِ ، مِنْ ثَوْبِهِ ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ " وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ " . قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا ، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ . حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مرقاة المفاتيح 210 - ( وَعَنْ جَرِيرٍ ) : هُوَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمْرٍو ، أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ جَرِيرٌ : أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَسَكَنَهَا زَمَانًا ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى قَرْقِيسِيَا وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ . ( قَالَ : كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ ) أَيْ : أَوَّلِهِ ( عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ ) أَيْ : يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْعُرْيُ حَالَ كَوْنِهِمْ ( مُجْتَابِي ) : هُوَ بِالْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ بَاءٌ أَيْ لَابِسِي ( النِّمَارِ ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَهِيَ أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطَةٍ . وَاحِدَتُهَا نَمِرَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( أَوِ الْعَبَاءِ ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ لِلتَّنْوِيعِ ، فَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ كِسَاءٌ مَعْرُوفٌ ، وَالنَّمِرَةُ : شَمْلَةٌ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ ، أَوْ بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَرَادِفَةٌ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ مُتَقَلِّدُونَ لِلسُّيُوفِ مِنْ جَوَانِبِهِمْ ( وَمُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ ) : كَذَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِالْوَاوِ ، وَعَلَيْهِ صَحٌّ بِالْحُمْرَةِ ، لَكِنْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْوَاوُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ( عَامَّتُهُمْ ) أَيْ : أَكْثَرُهُمْ ( مِنْ مُضَرَ ) : كَعُمَرَ ، قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ( بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ ) أَيْ مُبَالَغَةً ( فَتَمَعَّرَ ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ : فَتَغَيَّرَ ( وَجْهُ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، وَظَهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ الْحُزْنِ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ ) : أَيِ : الْفَقْرِ الشَّدِيدِ ، وَمِنْ بَيَانٌ لِ " مَا " ، يَعْنِي : لِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يُجْبِرُ كَسْرَهُمْ وَيُغْنِي فَقْرَهُمْ وَيَكْسِبُهُمْ وَيُعْطِيهُمْ مَا يُغْنِيهِمْ ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ خُصُوصًا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ ( فَدَخَلَ ) أَيْ فِي بَيْتِهِ لَعَلَّهُ يَلْقَى شَيْئًا مِنْ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ أَوْ لِتَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلْمَوْعِظَةِ ( ثُمَّ خَرَجَ ، فَأَمَرَ بِلَالًا ) أَيْ بِالْأَذَانِ ( فَأَذَّنَ ، وَأَقَامَ فَصَلَّى ) أَيْ : إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ بِدَلِيلِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا الظُّهْرُ أَوِ الْجُمُعَةُ لِقَوْلِهِ : فِي صَدْرِ النَّهَارِ ( ثُمَّ خَطَبَ ) أَيْ : وَعَظَ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا فَوْقَ الْمِنْبَرِ أَوْ دُونَهُ ( فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ : أَيِ : الْمُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ غَالِبِيٌّ اتَّقُوا رَبَّكُمُ أَيْ : عَذَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ أَيْ : بِالْوَاسِطَةِ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ : وَهِيَ آدَمُ ( إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ) : وَتَمَامُهَا وَخَلَقَ مِنْهَا أَيْ : مِنْ ضِلْعِهَا زَوْجَهَا أَيْ : حَوَّاءَ ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَوْ لِلْحَالِ ، وَقَدْ تُقَدَّرُ أَوْ لَا تُقَدَّرُ وَبَثَّ مِنْهُمَا أَيْ : فَرَّقَ مِنْ أَوْلَادِهِمَا بِوَسَطٍ أَوْ غَيْرِ وَسَطٍ . رُوِيَ أَنَّ بَنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ أَرْبَعُونَ فِي عِشْرِينَ بَطْنًا . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وُلِدَ لِآدَمَ أَرْبَعُونَ وَلَدًا عِشْرُونَ غُلَامًا وَعِشْرُونَ جَارِيَةً " رِجَالًا " كَثِيرًا " وَنِسَاءً " أَيْ كَثِيرَةً ، فَاكْتَفَى بِوَصْفِ الرِّجَالِ بِالْكَثْرَةِ عَنْ وَصْفِ النِّسَاءِ بِهَا ، إِذِ الْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُنَّ أَكْثَرَ ، وَتَذْكِيرُ الْكَثِيرِ حَمْلُ الْجَمْعِ دُونَ الْجَمَاعَةِ وَلِأَنَّ الْفَعِيلَ يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ " بِهِ " أَيْ : بِاللَّهِ وَالْأَرْحَامَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَطْفًا عَلَى الْجَلَالَةِ ، أَيِ : اتَّقُوا قَطْعَهَا وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ وَهُوَ جَائِزٌ فَصِيحٌ ، وَأَخْطَأَ مَنْ ضَعَّفَهُ ، وَكَانَ الْعَرَبُ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَبِالرَّحِمِ كَذَا . ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) أَيْ : مُطَّلِعًا عَلَى أَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ فَرَاقِبُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا ( وَالْآيَةَ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : بِالنَّصْبِ عَطْفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا عَلَى تَأْوِيلٍ " قَالَ " بِ " قَرَأَ " أَيْ : قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ( الَّتِي فِي الْحَشْرِ ) . ا هـ . وَأَوَّلُهَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَبَعْدَهُ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ وَهِيَ نَكِرَةٌ تُفِيدُ الْعُمُومَ أَيْ : كُلُّ نَفْسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : عَلِمَتْ نَفْسٌ ( مَا قَدَّمَتْ ) : وَأَخَّرَتْ أَيْ : لِتَتَفَكَّرْ وَتَتَأَمَّلِ النُّفُوسُ مَا قَدَّمَتْ ، أَيْ : أَيَّ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْخَيْرَاتِ أَرْسَلَتْهُ إِلَى الْآخِرَةِ ( لِغَدٍ ) أَيْ : لِنَفْعِ الْغَدِ مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَتَمَامُهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ . وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ، وَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ اتَّقُوا مُخَالَفَتَهُ ، وَالثَّانِي اتَّقُوا عُقُوبَتَهُ أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ أَيْ : عَالِمٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَيُخْبِرُكُمْ بِهَا وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، وَفِيهِ جَوَازُ تَقْطِيعِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِأَنْ يُؤْتَى بِبَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَسَبِ الْحَاجَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ " تَصَدَّقَ رَجُلٌ " : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتُسَكَّنُ قَالَ الطِّيبِيُّ : لَعَلَّ الظَّاهِرَ لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ ، وَلَامُ الْأَمْرِ لِلْغَائِبِ مَحْذُوفٌ ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ نَبْكِ فِي : قِفَا نَبْكِ مَجْزُومٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَمْرِ أَيْ : فَلْنَبْكِ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا أَيْ : فَلْيَأْكُلُوا ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا أَيْ : فَلْيَغْفِرُوا وَلَوْ حَمَلَ " تَصَدَّقَ " عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي لَمْ يُسَاعِدْهُ قَوْلُهُ : " وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ " إِذِ الْمَعْنَى لِيَتَصَدَّقَ رَجُلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، كَذَا قَوْلُهُ : فَجَاءَ رَجُلٌ . . إِلَخْ : لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِامْتِثَالِ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَقِيبَ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَلِمَنْ يُجْرِيهِ عَلَى الْإِخْبَارِ وَجْهٌ ، لَكِنْ فِيهِ تَعَسُّفٌ غَيْرُ خَافٍ ا هـ . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ : وَيَأْبَى عَنِ الْحَمْلِ عَلَى حَذْفِ اللَّامِ عَدَمُ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ ا هـ . فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا وَأَمْرٌ مَعْنًى ، وَإِتْيَانُ الْإِخْبَارِ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ فَضْلًا عَنْ تَعَسُّفٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : قِيلَ : إِنَّهُمَا بِمَعْنَى آمِنُوا وَجَاهِدُوا ، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ " تَعْبُدُ اللَّهَ " بِمَعْنَى اعْبُدِ اللَّهَ ، بَلْ قِيلَ : إِنَّهُ أَبْلَغُ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ وَامْتَثَلَ بِهِ فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يُقَالُ هَذَا الْإِخْبَارُ مُضَارِعٌ وَالْكَلَامُ فِي الْمَاضِي ، لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَبَرٌ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ مَاضِيًا أَوْ مُضَارِعًا مَعَ أَنَّ الْأَغْلَبِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ أَظْهَرُ فِي الْمَاضِي لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ : " فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " حَمَلَ بَعْضُهُمْ " أَخَذَ " الثَّانِيَ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ . ( مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرْهَمِهِ ، مِنْ ثَوْبِهِ ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : مِنْ قَمْحِهِ وَحِنْطَتِهِ وَفِي مَعْنَاهُ مِنْ شَعِيرِهِ ( مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ ) : وَإِعَادَةُ الْعَامِلِ تُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ وَتَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ الصَّاعُ مِنْهُمَا . قَالَ الطِّيبِيُّ : رَجُلٌ نَكِرَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الْجَمْعِ الْمَعْرُوفِ لِإِفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْإِفْرَادِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَشَجَرَةٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ فَإِنَّ شَجَرَةً وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْأَشْجَارِ ، وَمِنْ ثَمَّ كَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ مِرَارًا بِلَا عَطْفٍ أَيْ : لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ ، وَرَجُلٌ مِنْ دِرْهَمِهِ وَهَلُمَّ جَرًّا . وَ " مِنْ " فِي : " مِنْ دِينَارٍ " ، إِمَّا تَبْعِيضِيَّةٌ ، أَيْ : لِيَتَصَدَّقْ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ، وَإِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ : لِيَتَصَدَّقْ بِمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ( حَتَّى قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَتَصَدَّقْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ ( وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ) : أَيِ : الرَّاوِي ( فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ ) : بِالضَّمِّ ، أَيْ : رَبْطَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ ( كَادَتْ كَفُّهُ ) أَيْ قَارَبَتْ ( تَعْجِزُ ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ ( عَنْهَا ) أَيْ : عَنْ حَمْلِ الصُّرَّةِ لِثِقَلِهَا لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا ( بَلْ قَدْ عَجَزَتْ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتُكْسَرُ ( ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ ) أَيْ : تَوَالَوْا فِي إِعْطَاءِ الْخَيْرَاتِ وَإِتْيَانِ الْمَبَرَّاتِ ( حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ ) : الْكَوْمَةُ : بِالْفَتْحِ الصُّبْرَةُ ( مِنْ طَعَامٍ ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا حُبُوبٌ ، وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ النُّقُودِ لِغَلَبَتِهِ ( وَثِيَابٍ ، حَتَّى رَأَيْتُ ) : بَدَلٌ مِنْ حَتَّى الْأُولَى أَوْ غَايَةٌ لَهَا أَيْ : حَتَّى أَبْصَرْتُ ( وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ ) أَيْ : يَسْتَنِيرُ وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ السُّرُورِ ( كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، بَعْدَهُ مُوَحَّدَةٌ ، فِي مَا مُوِّهَ بِالذَّهَبِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَالنُّونِ ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الدُّهْمَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : مُدْهُنَةٌ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ الْهَاءِ وَبِالنُّونِ ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الصَّفَاءُ وَالِاسْتِنَارَةُ ، كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً ) أَيْ : أَتَى بِطَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا ( فَلَهُ أَجْرُهَا ) أَيْ : أَجْرُ تِلْكَ السُّنَّةِ ، أَيْ : ثَوَابُ الْعَمَلِ بِهَا . وَفِي نُسْخَةٍ : أَجْرُهُ ، أَيْ : أَجْرُ مَنْ سَنَّ ، يَعْنِي أَجْرَ عَمَلِهِ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ : فَلَهُ أَجْرُهَا ، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ رِوَايَةً وَمَعْنًى إِنَّمَا الصَّوَابُ أَجْرُهُ ، وَالضَّمِيرُ لِصَاحِبِ الطَّرِيقَةِ ، أَيْ : لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِسُنَّتِهِ ، وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى السُّنَّةِ . ( وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ رُوَاةِ الْكِتَابَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فِي شَيْءٍ . قَالَ الْمُؤَلِّفُ : هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُورِدْهُ الْبُخَارِيُّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ ، وَوُجِدَ فِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ : أَجْرُهَا . وَعَلَى هَذَا شَرْحُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَتِهِ ، فَإِنَّ السُّنَّةَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْأَجْرِ فَجَازَتِ الْإِضَافَةُ ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ اتِّفَاقُ النُّسَخِ عَلَى وِزْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا ) أَيْ : بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ ( مِنْ بَعْدِهِ ) : مِنْ بَيَانِ مِنْ ، وَفِي الْمَصَابِيحِ : وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بَعْدَهُ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ بَعْدَ مَمَاتِ مَنْ سَنَّهَا قُيِّدَ بِهِ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَجْرَ يُكْتَبُ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا ا هـ . قُلْتُ : وَفِيهِ أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْأَجْرَ لَا يُكْتَبُ لَهُ وَهُوَ حَيٌّ ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ بَعْدِ مَا سَنَّهُ ( مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ ( مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ) أَيْ : مِنَ النَّقْصِ ( وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً ) أَيْ : بِدْعَةً مَذْمُومَةً عَمِلَ بِهَا ( كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا ) أَيْ : إِثْمُهَا ( وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ) أَيْ : مِنْ جِهَةِ تَبَعِيَّتِهِ ( مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ ) : تَقَدَّمَ ( مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) : جَمَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى " مِنْ " كَمَا أَفْرَدَ فِي " يَنْقُصَ " بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية