الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 1744 - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ : غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ ، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخُلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ ، وَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ ، فَلَمْ أَبْكِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مرقاة المفاتيح 1744 - ( وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ) مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ . ( قَالَتْ : لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ ) أَيْ : زَوْجُهَا الْأَوَّلُ . ( قُلْتُ : غَرِيبٌ ) أَيْ : هُوَ مَيِّتٌ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ ) ، لِأَنَّهُ كَانَ مَكِّيًّا مِنْ أَصْحَابِ الْهِجْرَةِ . ( وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا غَرِيبًا أَيْ : لَيْسَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَهُوَ إِمَّا مَجَازٌ أَوْ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ . ( لَأَبْكِيَنَّهُ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ : وَاللَّهِ ، لَأَبْكِيَنَّ عَلَيْهِ . ( بُكَاءً ) أَيْ : شَدِيدًا . ( يُتَحَدَّثُ عَنْهُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ : يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهِ ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ لِكَمَالِ شِدَّتِهِ ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْهَا كَانَ قَبْلَ عِلْمِهَا بِتَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ . ( فَكُنْتُ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ ) أَيْ : بِالْقَصْدِ وَالْعَزِيمَةِ ، وَتَهْيِئَةِ أَسْبَابِ الْحُزْنِ مِنَ الثِّيَابِ السُّودِ وَغَيْرِهَا . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاءُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ : قُلْتُ : أَيْ : قُلْتُ عَقِيبَ مَا تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْقَوْلِ إِلَّا مَعَ الْوَاوِ لِيَكُونَ حَالًا اهـ . وَغَفَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ ذَلِكَ التَّحْقِيقِ فَقَالَ : هُوَ عَطْفٌ عَلَى قُلْتُ ، أَيْ : عَقِبَ قَوْلِي ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ تَمَامِ التَّهَيُّؤِ . ( إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ ) ظَرْفٌ لِتَهَيَّأْتُ وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ : حَيْثُ قَالَ : ظَرْفٌ لَقُلْتُ أَيْ : جَاءَتْنِي مِنْ قُبَالَتِي امْرَأَةٌ . ( تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي ) أَيْ : تُسَاعِدَنِي فِي الْبُكَاءِ وَمُعَاوَنَتِي فِي النِّدَاءِ . ( فَاسْتَقْبَلَهَا ) أَيْ : تِلْكَ الْمَرْأَةَ . ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ : بَعْدَ عِلْمِهِ مِمَّا هِيَ قَاصِدَةٌ لَهُ . ( فَقَالَ : أَتُرِيدِينَ ) أَيْ : أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ بِإِعَانَتِكِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ . ( أَنْ تُدْخِلِي الشَّيطَّانَ ) أَيْ : أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِدُخُولِ الشَّيْطَانِ . ( بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ ) أَيِ : الشَّيْطَانَ . ( مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ ، وَأَبْعَدَهُ مِنْ إِغْوَاءِ أَهْلِهِ . ( مَرَّتَيْنِ ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى يَوْمُ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ يَوْمَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنْيَا مُسْلِمًا ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ التَّكْرِيرُ أَيْ : أَخْرَجَهُ اللَّهُ إِخْرَاجًا بَعْدَ إِخْرَاجٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي وَجْدِهِ : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ أَيْ : مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِـيُّ ، أَقُولُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى يَوْمُ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَبِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ يَوْمُ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّهُ مِنْ ذَوِي الْهِجْرَتَيْنِ أَقُولُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرَّتَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بَقَالَ ، أَيْ : أَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ لِكَمَالِ الِاهْتِمَامِ مَرَّتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَكَفَفْتُ ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ ، أَيْ : فَانْزَجَرْتُ وَمَنَعْتُ نَفْسِي . ( عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ ) أَيِ : الْبُكَاءَ الْمَذْمُومَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية