الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 1315 - وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ " ، قَالُوا : وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ : " النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا ، وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنِ الطَّرِيقِ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ; فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . مرقاة المفاتيح 1315 - ( وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ ، قِيلَ : نِصْفُهَا سَاكِنَاتٌ ، وَنِصْفُهَا مُتَحَرِّكَاتٌ ، فَإِنْ تَحَرَّكَتْ سَاكِنَةٌ أَوْ سَكَنَتْ مُتَحَرِّكَةٌ لَاخْتَلَّ نِظَامُهُ ، وَتَعَذَّرَ قِيَامُهُ ، وَتَنَغَّصَ عَيْشُهُ وَقِوَامُهُ . ( فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُوبِ فِي حَدِيثِ يُصْبِحُ قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ اهـ . وَهُوَ بِمَعْنَى اللُّزُومِ وَالتَّأْكِيدِ لَا الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ ، إِذَالَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ رَكْعَتَيِ الضُّحَى وَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِنْ كَانَ الشُّكْرُ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا وَاجِبًا شَرْعًا وَعَقْلًا . ( قَالُوا : وَمَنْ يُطِيقُ ذَاكَ ) : وَفِي نُسْخَةٍ : ذَلِكَ ، أَيْ : مَا ذُكِرَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَاتِ ، فَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْمَالِيَّةِ ، أَيْ : لَا يُطِيقُ كُلُّ أَحَدٍ ذَلِكَ . ( يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ ) ; لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فُقَرَاءُ ( قَالَ : " النُّخَاعَةُ ) : بِضَمِّ النُّونِ ، أَيِ : النُّخَاعَةُ الَّتِي تَرَاهَا ( فِي الْمَسْجِدِ ) ، أَيْ : تَكُونُ فِيهِ ( تَدْفِنُهَا ) ، أَيْ ، أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًا عَدْلَ عَنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ الِاخْتِصَاصُ بِالصَّحَابَةِ ، أَيْ : دَفْنُهَا صَدَقَةٌ ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ . ( وَالشَّيْءُ ) : بِالرَّفْعِ ، أَيِ الْمُؤْذِي لِلْمَارَّةِ مِنْ شَوْكٍ أَوْ حَجَرٍ ( تُنَحِّيهِ ) : بِالتَّشْدِيدِ ، أَيْ : تُبْعِدُهُ ( عَنِ الطَّرِيقِ ) ، أَيْ : تَنْحِيَةُ ذَلِكَ صَدَقَةٌ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ : مَنْ يَدْفِنُ النُّخَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الْخِلَالِ ، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يُخَاطَبَ بِخِطَابٍ يَنْبَغِي أَنْ يَهْتَمَّ بِهَا . وَرَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ النُّخَامَةُ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ دَفْنَهَا حِينَئِذٍ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، كَمَا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَحَثَّ عَلَيْهِ ، أَمَّا نُخَامَتُهُ هُوَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْنُهَا ; لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ حَرَامًا بِفِعْلِهَا ، فَلَزِمَهُ قَطْعُهُ بِدَفْنِهَا الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِعُ كَفَّارَةً لِذَلِكَ اهـ . وَيُدْفَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً ، أَمَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ ، وَقَدْ أُقِيمَا مَقَامَ الصَّدَقَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ) ، أَيْ : شَيْئًا مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّدَقَةِ عُرْفًا أَوْ شَرْعًا يَبْلُغُ عَدَدَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالسِّتِّينَ ( فَرَكْعَتَا الضُّحَى ) ، أَيْ : صَلَاتُهُ ( تُجْزِئُكَ ) ، أَيْ : تَكْفِيكَ عَنْ جَمِيعِهَا ، وَأَفْرَدَ الْخَبَرَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى ، أَيْ : فَصَلَاةُ الضُّحَى تُجْزِئُكَ . ( رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ) ، قَالَ مِيرَكُ : وَفِي سَنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ : ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَقَوَّاهُ غَيْرُهُ اهـ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّهُ خَلَقَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَفْصِلًا ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ ، وَحَمِدَ اللَّهَ ، وَهَلَّلَ اللَّهَ ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ ، أَوْ شَوْكَةً ، أَوْ عَظْمًا ، أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِمِائَةِ فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ " ، أَيْ : أَبْعَدَهَا . قُلْتُ : وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيِّ يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمٍ ذَكِيِّ وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِابْنِ آدَمَ الْمُلُوحَةَ فِي الْعَيْنَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا شَحْمَتَانِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَذَابَتَا ، وَجَعَلَ الْمَرَارَةَ فِي الْأُذُنَيْنِ حِجَابًا مِنَ الدَّوَابِّ ، مَا دَخَلَتِ الرَّأْسَ دَابَّةٌ إِلَّا الْتَمَسَتِ الْوُصُولَ إِلَى الدِّمَاغِ ، فَإِذَا ذَاقَتِ الْمَرَارَةَ الْتَمَسَتِ الْخُرُوجَ ، وَجَعَلَ الْحَرَارَةَ فِي الْمَنْخَرَيْنِ لِيَسْتَنْشِقَ بِهَا الرِّيحَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ ; لَأَنْتَنَ الدِّمَاغُ ، وَجَعَلَ الْعُذُوبَةَ فِي الشَّفَتَيْنِ يَجِدُ بِهَا طَعْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَيَسْمَعُ النَّاسُ حَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ " . ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي عِلْمِ التَّشْرِيحِ مِنَ الْعُلُومِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية