الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 72 - وَعَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَلَكِنَّ التَّحْرِيشَ بَيْنَهُمْ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مرقاة المفاتيح 72 - ( وَعَنْهُ ) أَيْ : عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( قَالَ : قَالَ رَسُولٌ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ ) : يَحْتَمِلُ الْجِنْسَ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِبْلِيسُ رَئِيسُهُمْ ( وَقَدْ أَيِسَ ) أَيْ : صَارَ مَحْرُومًا ، وَيَئِسَ ( وَمِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ ) : اخْتَصَرَ الْقَاضِي كَلَامَ الشُّرَّاحِ ، وَقَالَ : عِبَادَةُ الشَّيْطَانِ عِبَادَةُ الصَّنَمِ ؛ لِأَنَّهُ الْآمِرُ بِهِ ، وَالدَّاعِي إِلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ( يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ) وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلِّينَ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " نَهَيْتُكُمْ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ " : سُمُّوا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ ، وَأَظْهَرُ الْأَفْعَالِ الدَّالَةِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : أَيِسَ مِنْ أَنْ يَعُودَ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عِبَادَةِ الصَّنَمِ ، وَيَرْتَدَّ إِلَى شِرْكِهِ ( فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ) : وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ ارْتِدَادُ أَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ ، وَمَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَدَوْا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ اهـ . وَفِيهِ أَنَّ دَعْوَةَ الشَّيْطَانِ عَامَّةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الْكُفْرِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِعِبَادَةِ الصَّنَمِ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُصَلِّينَ لَا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ ، وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ كَمَا فَعَلَتْهُ الْيَهُودُ ، وَالنَّصَارَى ، ثُمَّ الْجَزِيرَةُ هِيَ كُلُّ أَرْضٍ حَوْلَهَا الْمَاءُ ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ مِنْ جَزَرَ عَنْهَا الْمَاءُ أَيْ : ذَهَبَ ، وَقَدِ اكْتَنَفَتْ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الْبِحَارُ ، وَالْأَنْهَارُ كَبَحْرِ الْبَصْرَةِ ، وَعُمَانَ وَعَدَنٍ إِلَى بِرْكَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِهَا ، وَبَحْرِ الشَّامِ ، وَالنِّيلِ ، وَدِجْلَةَ ، وَالْفُرَاتِ أُضِيفَتْ إِلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهَا مَسْكَنُهُمْ ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مَكَّةُ ، وَالْمَدِينَةُ ، وَالْيَمَنُ قِيلَ إِنَّمَا خَصَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ لِأَنَّ الدِّينَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَتَعَدَّ عَنْهَا ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا مَعْدِنُ الْعِبَادَةِ ، وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ ( وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ ) : خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ : هُوَ فِي التَّحْرِيشِ ، أَوْ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ أَيْ يَسْعَى فِي التَّحْرِيشِ ( بَيْنَهُمْ ) أَيْ : فِي إِغْرَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَالتَّحْرِيضِ بِالشَّرِّ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَتْلٍ ، وَخُصُومَةٍ ، وَالْمَعْنَى لَكِنَّ الشَّيْطَانَ غَيْرُ آيِسٍ مِنْ إِغْرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْفِتَنِ بَلْ لَهُ مَطْمَعٌ فِي ذَلِكَ ، قِيلَ : وَلَعَلَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَجْرِي فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَيْ : أَيِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُعْبَدَ فِيهَا لَكِنْ طَمِعَ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ سَاكِنِيهَا ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ فَكَانَ مُعْجِزَةً لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) : وَكَذَا أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية