الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 1 - كِتَابُ الْإِيمَانِ " الْفَصْلُ الْأَوَّلُ " 2 - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ ، وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : " الْإِسْلَامُ : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا " . قَالَ : صَدَقْتَ . فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ ، وَيُصَدِّقُهُ ! قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ . قَالَ : ( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ . قَالَ : " أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ قَالَ : " مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا . قَالَ : " أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ . قَالَ : ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ لِي : " يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ . [ ( وَمَلَائِكَتِهِ ) ] : جَمْعُ مَلَاكٍ ، وَأَصْلُهُ مَأْلَكٌ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْأَلُوكَةِ ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ قُدِّمَتِ اللَّامُ عَلَى الْهَمْزَةِ ، وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى مَا قَبْلَهَا فَصَارَ مَلَكٌ ، وَلَمَّا جُمِعَتْ رُدَّتِ الْهَمْزَةُ ، وَقِيلَ قُلِبَتْ أَلِفًا ، وَقُدِّمَتِ اللَّامُ ، وَجُمِعَ عَلَى فَعَائِلَ كَشَمْأَلٍ ، وَشَمَائِلَ ، ثُمَّ تُرِكَتْ هَمْزَةُ الْمُفْرَدِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ ، وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى اللَّامِ ، وَالتَّاءُ لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ ، أَوْ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنَاهُ أُطْلِقَتْ بِالْغَلَبَةِ عَلَى الْجَوَاهِرِ الْعُلْوِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ الْمُبَرَّأَةِ عَنِ الْكُدُورَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ ، وَهِيَ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ ، وَخَاصَّةً أَصْفِيَاءَهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نُورَانَيَّةٌ مُقْتَدِرَةٌ عَلَى تَشَكُّلَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصُّعُودُ ، وَالنُّزُولُ ، وَالتَّسْبِيحُ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ النَّفَسِ مِنَّا ، فَمَشَقَّةُ التَّكْلِيفِ مُنْتَفِيَةٌ ، وَالْمَعْنَى نَعْتَقِدُ بِوُجُودِهِمْ تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ اسْمُهُ مِنْهُمْ ضَرُورَةً كَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَإِسْرَافِيلَ ، وَعِزْرَائِيلَ ، وَإِجْمَالًا فِي غَيْرِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ ، وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ، وَلَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ، وَأَنَّ مِنْهُمْ كِرَامًا كَاتِبِينَ ، وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ الْمُقَرَّبِينَ ، وَأَنَّ لَهُمْ أَجْنِحَةً مَثْنَى ، وَثُلَاثَ ، وَرُبَاعَ ، وَأَنَّهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْ وَصْفِ الْأُنُوثَةِ ، وَالذُّكُورَةِ ، وَأَمَّا كَوْنُ الرُّسُلِ أَفْضَلَ مِنْهُمْ ، أَوْ هُمْ فَلَا يَجِبُ اعْتِقَادُ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ . فَإِنْ قُلْتَ : مَا الْمُوجِبُ لِدُخُولِ الْإِيمَانِ بِهَا فِي مَفْهُومِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مَعْرِفَةُ الْمَبْدَأِ ، أَوِ الْمَعَادِ ؟ فَأُجِيبَ : بِأَنَّ النَّاسَ يَنْقَسِمُ إِلَى فَطِنٍ يَرَى الْمَعْقُولَ كَالْمَحْسُوسِ ، وَيُدْرِكُ الْغَائِبَ كَالْمُشَاهَدِ ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ ، وَإِلَى مَنِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ مُتَابَعَةُ الْحِسِّ ، وَمُتَابَعَةُ الْوَهْمِ فَقَطْ ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُعَلِّمٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ ، وَيَذُودُهُمْ عَنِ الزَّيْغِ الْمُطْلَقِ ، وَيَكْشِفُ لَهُمُ الْمُغَيَّبَاتِ ، وَيُحِلُّ عَنْ عُقُولِهِمُ الشُّبُهَاتِ ، وَمَا هُوَ إِلَّا النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ لِهَذَا الْأَمْرِ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُشْتَعِلَ الْقَرِيحَةِ ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) يَحْتَاجُ إِلَى نُورٍ يُظْهِرُ لَهُ الْغَائِبَ ، وَهُوَ الْوَحْيُ ، وَالْكِتَابُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْقُرْآنُ نُورًا ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَامِلٍ ، وَمُوَصِّلٍ ، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُتَوَسِّطُ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : ( إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) فَالْمُرَادُ لَا يَصِيرُ مُؤْمِنًا إِلَّا إِذَا تَعَلَّمَ مِنَ النَّبِيِّ مَا يُحَقِّقُهُ بِإِرْشَادِ الْكِتَابِ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ بِتَوَسُّطِ الْمَلَكِ أَنَّ لَهُ إِلَهًا وَاجِبَ الْوُجُودِ فَائِضَ الْجُودِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ ، [ ( وَكُتُبِهِ ) ] أَيْ : وَنَعْتَقِدُ بِوُجُودِ كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ يَقِينًا كَالْقُرْآنِ ، وَالتَّوْرَاةِ ، وَالزَّبُورِ ، وَالْإِنْجِيلِ ، وَإِجْمَالًا فِيمَا عَدَاهُ ، وَأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْقُرْآنِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ نَسْخٌ ، وَلَا تَحْرِيفٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) . وَأَمَّا كَوْنُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَأَهْلِ السُّنَّةِ . قِيلَ : الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ ، مِنْهَا عَشْرُ صَحَائِفَ نَزَلَتْ عَلَى آدَمَ وَخَمْسُونَ عَلَى شِيثَ ، وَثَلَاثُونَ عَلَى إِدْرِيسَ ، وَعَشَرَةٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَالْأَرْبَعَةُ السَّابِقَةُ ، وَأَفْضَلُهَا الْقُرْآنُ ، [ ( وَرُسُلِهِ ) ] بِأَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُمْ بَلَّغُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ ، وَتُؤْمِنَ بِوُجُودِهِمْ فِيمَنْ عُلِمَ بِنَصٍّ ، أَوْ تَوَاتَرَ تَفْصِيلًا ، وَفِي غَيْرِهِمْ إِجْمَالًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِ الرَّسُولِ ، وَالنَّبِيِّ فَإِنَّهُ كَمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَجِبُ بِالْأَنْبِيَاءِ . وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ وَفَاءُ عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءِ ؟ قَالَ : ( مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا ) اهـ . وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّغَايُرِ ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّبِيَّ إِنْسَانٌ بَعَثَهُ اللَّهُ ، وَلَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ ، وَالرَّسُولَ مَنْ أُمِرَ بِهِ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ ، وَلَا عَكْسَ ، فَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي الْإِيمَانِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ تَبْلِيغِ الرُّسُلِ ، فَإِنَّهُ لَا تَبْلِيغَ لِلْأَنْبِيَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ التَّفْصِيلُ ، وَالثَّابِتَ هُوَ الْإِجْمَالُ ، أَوِ النَّفْيُ مُقَيِّدٌ بِالْوَحْيِ الْجَلِيِّ ، وَالثُّبُوتُ مُتَحَقِّقٌ بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ . فَإِنْ قُلْتَ : مَا فَائِدَةُ ذِكْرِ مَا بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَمَا قَبْلَهُمْ مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا جَاءُوا بِهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : التَّنْبِيهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ ؟ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ الْمَلَكَ بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّسُولِ لِمَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ ، أَوِ الْمَعَادِ ، وَأَنَّ الْخَيْرَ ، وَالشَّرَّ يَجْرِيَانِ عَلَى الْعِبَادِ بِمُقْتَضَى مَا قَدَّرَهُ ، وَقَضَاهُ ، وَأَرَادَهُ ، وَلِهَذَا قَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ لَا لِكَوْنِهِمْ أَفْضَلَ مِنَ الرُّسُلِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ ، وَلَا مِنَ الْكُتُبِ إِذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ عَالِمِ التَّكْلِيفِ ، وَالْوَسَائِطِ ، وَإِلَّا فَمَا قَامَ لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، مَعْلُومٌ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَمْكِينِهِ فِي وَقْتِ كُشُوفِ الْمُشَاهَدَةِ ، وَاسْتِغْرَاقِهِ فِي بَحْرِ الْوَحْدَةِ حَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ أَثَرُ الْبَشَرِيَّةِ ، وَالْكَوْنَيْنِ ، وَهَذَا مَحَلُّ اسْتِقَامَتِهِ فِي مَشْهَدِ التَّمْكِينِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) وَلَيْسَ هُنَاكَ مَقَامُ جِبْرِيلَ ، وَجَمِيعِ الْكَرُوبِيِّينَ ، وَلَا مَقَامُ الصَّفِيِّ ، وَالْخَلِيلِ ، وَمَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَوْقَاتِهِ كَذَلِكَ لَكِنْ يَرُدُّهُ اللَّهُ إِلَى تَأْدِيبِ أُمَّتِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِيُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ التَّلْوِينِ ، وَلَا يَذُوبَ فِي أَنْوَارِ كِبْرِيَاءِ الْأَزَلِ ، [ ( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ] أَيْ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا ، وَهُوَ الْأَحْسَنُ لِيَشْمَلَ أَحْوَالَ الْبَرْزَخِ فَإِنَّهُ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ، وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ ، وَلِأَنَّهُ مُقَدِّمَتُهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ أُخِّرَ عَنْهُ الْحِسَابُ ، وَالْجَزَاءُ ، وَقِيلَ هُوَ الْأَبَدُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ لِتَأَخُّرِهِ عَنِ الْأَوْقَاتِ الْمَحْدُودَةِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِوُجُودِهِ ، وَبِمَا فِيهِ مِنَ الْبَعْثِ الْجُسْمَانِيِّ ، وَالْحِسَابِ ، وَالْجَنَّةِ ، وَالنَّارِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَالْبَعْثِ الْآخِرِ ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ ، أَوْ لِإِفَادَةِ تَعَدُّدِهِ ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ ، أَوْ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ إِلَى الدُّنْيَا ، وَالثَّانِي الْبَعْثُ مِنْ بُطُونِ الْقُبُورِ إِلَى مَحَلِّ الْحَشْرِ ، وَالنُّشُورِ . وَفِي أُخْرَى لَهُ : وَبِلِقَائِهِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ، فَاللِّقَاءُ الِانْتِقَالُ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ ، وَالْبَعْثُ بَعْثُ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ حِسَابٍ ، وَمِيزَانٍ ، وَجَنَّةٍ ، وَنَارٍ ، وَقَدْ صُرِّحَ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي رِوَايَةٍ . وَقِيلَ : اللِّقَاءُ الْحِسَابُ ، وَقِيلَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ بِعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ [ ( وَتُؤْمِنَ ) ] ، أَيْ : وَأَنْ تُؤْمِنَ [ ( بِالْقَدَرِ ) ] : بِفَتْحِ الدَّالِّ ، وَيُسَكَّنُ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ ، وَقَضَاهُ ، وَإِعَادَةُ الْعَامِلِ إِمَّا لِبُعْدِ الْعَهْدِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : لَقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانِيُّ أَنَّنِي إِذَا قُلْتُ أَمَّا بَعْدُ أَنِّي خَطِيبُهَا أَوْ لِشَرَفِ قَدْرِهِ ، وَتَعَاظُمِ أَمْرِهِ وَقَعَ فِيهِ الِاهْتِمَامُ لِأَنَّهُ مَحَارُ الْأَفْهَامِ ، وَمَزَالُّ الْأَقْدَامِ ، وَقَدْ عَلِمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ الْأُمَّةَ سَيَخُوضُونَ فِيهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَتَّقُونَهُ فَاهْتَمَّ بِشَأْنِهِ ، ثُمَّ قَرَّرَهُ بِالْإِبْدَالِ بِقَوْلِهِ : [ ( خَيْرِهِ ، وَشَرِّهِ ) ] أَيْ : نَفْعِهِ ، وَضُرِّهِ ، وَزِيدَ فِي رِوَايَةٍ ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ ، فَإِنَّ الْبَدَلَ تَوْضِيحٌ مَعَ التَّوْكِيدِ الْمُفِيدِ لِلتَّعْمِيمِ لِتَكْرِيرِ الْعَامِلِ ، وَعِنْدِي أَنَّ إِعَادَةَ الْعَامِلِ هُنَا أَفَادَتْ أَنَّ هَذَا الْمُؤْمِنَ بِهِ دُونَ مَا سَبَقَ ، فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ كَفَرَ بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ ، وَالتَّكْمِيلِ ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ : خَيْرِهِ ، وَشَرِّهِ بَدَلُ بَعْضٍ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنَ الْمَعْطُوفِ ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَدَلُ الْكُلِّ ، وَالرَّابِطَةُ بَعْدَ الْعَطْفِ ، وَالْمَعْنَى تَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْخَيْرَ ، وَالشَّرَّ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلَائِقِ ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ مُرْتَبِطٌ بِقَدَرِهِ . قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) وَهُوَ مُرِيدٌ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ) فَالطَّاعَاتُ يُحِبُّهَا ، وَيَرْضَاهَا بِخِلَافِ الْكُفْرِ ، وَالْمَعَاصِي . قَالَ تَعَالَى : ( وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) وَالْإِرَادَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الرِّضَا ، ثُمَّ الْقَضَاءُ هُوَ الْحُكْمُ بِنِظَامِ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى تَرْتِيبٍ خَاصٍّ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَوَّلًا ، ثُمَّ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ثَانِيًا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ ، وَالْقَدَرُ تُعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالْأَشْيَاءِ فِي أَوْقَاتِهَا ، وَهُوَ تَفْصِيلُ قَضَائِهِ السَّابِقِ بِإِيجَادِهَا فِي الْمَوَادِّ الْجُزْئِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِلَوْحِ الْمَحْوِ ، وَالْإِثْبَاتِ كَمَا يُسَمَّى الْكِتَابُ بِلَوْحِ الْقَضَاءِ ، وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ بِلَوْحِ الْقَدَرِ فِي وَجْهِ هَذَا تَحْقِيقُ كَلَامِ الْقَاضِي . وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ ، وَذَكَرَ الرَّاغِبُ أَنَّ الْقَدَرَ هُوَ التَّقْدِيرُ ، وَالْقَضَاءَ هُوَ التَّفْصِيلُ ، فَهُوَ أَخَصُّ ، وَمَثَّلَ هَذَا بِأَنَّ الْقَدَرَ مَا أُعِدَّ لِلُّبْسِ ، وَالْقَضَاءَ بِمَنْزِلَةِ اللُّبْسُ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ . كَانَ فِي الْبَدْءِ عِلْمٌ ، ثُمَّ ذِكْرٌ ، ثُمَّ مَشِيئَةٌ ، ثُمَّ تَدْبِيرٌ ، ثُمَّ مَقَادِيرُ ، ثُمَّ إِثْبَاتٌ فِي اللَّوْحِ ، ثُمَّ إِرَادَةٌ ، ثُمَّ قَضَاءٌ ، فَإِذَا قَالَ : كُنْ فَكَانَ عَلَى الْهَيْئَةِ إِلَى عِلْمٍ فَذِكْرٍ ، ثُمَّ شَاءَ فَدَبَّرَ ، ثُمَّ قَدَّرَ ، ثُمَّ أَثْبَتَ ، ثُمَّ قَضَى ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ حَيْثُ اسْتَقَامَ فِي الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ إِلَى أَنِ اسْتَقَامَ فِي اللَّوْحِ ، ثُمَّ اسْتَبَانَ إِلَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ أُمُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : إِنَّ الْقَدَرَ كَتَقْدِيرِ النَّقَّاشِ الصُّورَةَ فِي ذِهْنِهِ ، وَالْقَضَاءَ كَرَسْمِهِ تِلْكَ الصُّورَةَ لِلتِّلْمِيذِ بِالْأُسْرُبِ ، وَوَضْعُ التِّلْمِيذِ الصِّبْغَ عَلَيْهَا مُتَّبِعًا لِرَسْمِ الْأُسْتَاذِ هُوَ الْكَسْبُ ، وَالِاخْتِيَارُ ، وَهُوَ فِي اخْتِيَارِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ رَسْمِ الْأُسْتَاذِ كَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي اخْتِيَارِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْقَضَاءِ ، وَالْقَدَرِ ، وَلَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا ، هَذَا وَالْقَدَرِيَّةُ فَسَّرُوا الْقَضَاءَ بِعِلْمِهِ بِنِظَامِ الْمَوْجُودَاتِ ، وَأَنْكَرُوا تَأْثِيرَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَفْعَالِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَمُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ خَيْرَهَا ، وَشَرَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُرَادَةٌ لَهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ مُكْتَسَبَةٌ لِلْعِبَادِ لِأَنَّ لَهُمْ نَوْعَ اخْتِيَارٍ فِي كَسْبِهَا ، وَإِنْ رَجَعَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى إِرَادَتِهِ وَخَلْقِهِ ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ . وَهَذَا أَوْسَطُ الْمَذَاهِبِ ، وَأَعْدَلُهَا ، وَأَوْفَقُهَا لِلنُّصُوصِ ، فَهُوَ الْحَقُّ ، وَالصَّوَابُ خِلَافًا لِلْجَبْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعِبَادَ مَجْبُورُونَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ ، إِذْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا تَكْلِيفَ ، وَمَنِ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ بِهَذَا اللَّازِمِ ، فَهُوَ كَافِرٌ بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ سَلْبَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ أَصْلِهَا إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا أَحَدٌ بِوَجْهٍ فَإِنَّهُ مُبْتَدِعٌ ، وَخِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ النَّافِينَ لِلْقَدَرِ ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ ، وَأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا ، وَأَنَّ إِرَادَتَهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا لِاسْتِقْلَالِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ بِالْإِيجَادِ ، وَالتَّأْثِيرِ فِي أَفْعَالِهِ ، إِذْ يَلْزَمُهُمْ أَنَّ لَهُ تَعَالَى شُرَكَاءَ فِي مُلْكِهِ سُبْحَانَهُ ، فَمَنِ اعْتَقَدَ حَقِيقَةَ الشَّرِكَةِ قَصْدًا فَقَدْ كَفَرَ ، أَوْ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ . رُوِيَ أَنَّهُ كَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِىُّ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَضَاءِ ، وَالْقَدَرِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ : مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَضَاءِ اللَّهِ ، وَقَدَرِهِ خَيْرِهِ ، وَشَرِّهِ فَقَدْ كَفَرَ ، وَمَنْ حَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَى رَبِّهِ فَقَدْ كَفَرَ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُطَاعُ اسْتِكْرَاهًا ، وَلَا يُعْصَى بِغَلَبَةٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى مَالِكٌ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَقَادِرٌ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ ، فَإِنْ عَمِلُوا بِالطَّاعَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا عَمِلُوا ، وَإِنْ عَمِلُوا بِالْمَعْصِيَةِ فَلَوْ شَاءَ لَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا عَمِلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي جَبَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ جَبَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى الطَّاعَةِ لَأَسْقَطَ عَنْهُمُ الثَّوَابَ ، وَلَوْ جَبَرَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَأَسْقَطَ عَنْهُمُ الْعِقَابَ ، وَلَوْ أَهْمَلَهُمْ كَانَ ذَلِكَ عَجْزًا فِي الْقُدْرَةِ ، وَلَكِنْ لَهُ فِيهِمُ الْمَشِيئَةُ الَّتِي غَيَّبَهَا عَنْهُمْ ، فَإِنْ عَمِلُوا بِالطَّاعَةِ فَلَهُ الْمِنَّةُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ عَمِلُوا بِالْمَعْصِيَةِ فَلَهُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ، وَالسَّلَامُ ، فَهَذِهِ رِسَالَةٌ يَظْهَرُ عَلَيْهَا أَنْوَارُ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِتَوْحِيدِ ذَاتِ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّ إِتْيَانَ الْمَقْدُورَاتِ وَأَحْكَامِهَا عَلَى مَا هُوَ حَقُّهَا فِي أَزْمِنَةٍ وَأَمْكِنَةٍ مَخْصُوصَةٍ تَدُلُّ عَلَى تَوَحُّدِ الْحُكْمِ بِتَقْدِيرِهَا الْمُقْتَضِي لِتَوَحُّدِ الْمُقَدِّرِ ، وَالْعِلْمِ بِصِفَاتِهِ كَسِعَةِ عِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَآثَارِ قُدْرَتِهِ ، وَحِكْمَتِهِ لِلْمَخْلُوقِينَ ، وَنُفُوذِ قَضَائِهِ فِيهِمْ ، وَالْعِلْمِ بِكَمَالِ صُنْعِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى الْأَسْبَابِ الْإِلَهِيَّةِ فَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَذَرَ لَا يَقْطَعُ الْقَدَرَ ، وَلَا يُنَازِعُ أَحَدًا فِي طَلَبِ شَيْءٍ مِنَ اللَّذَّاتِ ، وَلَا يَأْنَسُ بِهَا إِذَا وَجَدَهَا ، وَلَا يَغْضَبُ بِسَبَبِ فَوْتِ شَيْءٍ مِنَ الْمَطَالِبِ ، وَلَا بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنَ الْمَهَارِبِ . قَالَ تَعَالَى : ( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : " مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ " . فَيَكُونُ مُسْتَسْلِمًا لِلْحَقِّ فِيمَا أَرَادَهُ مِنَ الْقَضَاءِ الْمُطْلَقِ ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ . قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ وُجُودَ مَخْلُوقَاتِهِ لِمَظَاهِرِ تَجَلِّي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، فَلِكُلٍّ مِنْهَا مِقْدَارٌ مُقَدَّرٌ لِمَظَاهِرِ تَجَلِّي مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ ، وَبِذَلِكَ يُسَبِّحُ لَهُ كَمَا قَالَهُ : ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) وَلِكُلِّ ذَرَّةٍ لِسَانٌ مَلَكُوتِيٌّ نَاطِقٌ بِالتَّسْبِيحِ ، وَالتَّحْمِيدِ تَنْزِيهًا لِصَانِعِهِ ، وَحَمْدًا لَهُ عَلَى مَا أَوْلَاهُ مِنْ مَظْهَرِيَّتِهَا لِلصِّفَاتِ الْجَمَالِيَّةِ وَالْجَلَالِيَّةِ فَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَقَادِيرُ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ دُونَ ذَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهَا إِلَّا قَلْبُ الْمُؤْمِنِ لَا يَسَعُنِي أَرْضِي ، وَلَا سَمَائِي ، وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ ، وَلِذَا قِيلَ : قَلْبُ الْمُؤْمِنِ عَرْشُ اللَّهِ . وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ : لَوْ وَقَعَ الْعَالَمُ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا قَلْبِ الْعَارِفِ مَا أَحَسَّ بِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية