الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 5874 - وَعَنْهُ ، قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي إِثْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ ، وَصَوْتُ الْفَارِسِ يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ . إِذْ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَحَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ( صَدَقْتَ ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ) فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مرقاة المفاتيح 5874 - ( وَعَنْهُ ) أَيْ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ ) أَيْ : أَنْصَارِيٌّ ( مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ ) أَيْ : يُسْرِعُ وَيَعْدُو ( فِي إِثْرِ رَجُلٍ ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا أَيْ : فِي عَقِبِ رَجُلٍ ( مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ) ، أَيْ : وَاقِعٌ قُدَّامَهُ ( إِذْ سَمِعَ ) أَيِ : الْمُسْلِمُ ، فَالْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُهُ ( ضَرْبَةً ) أَيْ : صَوْتَ ضَرْبَةٍ ( بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ ) ، أَيْ فَوْقَ الْمُشْرِكِ ( وَصَوْتُ الْفَارِسِ يَقُولُ : أَقْدِمْ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ بِمَعْنَى أَعْزِمْ ( حَيْزُومُ ) . أَيْ : يَا حَيْزُومُ ، وَهُوَ اسْمُ فَرَسِهِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهِمَا بِمَعْنَى تَقَدَّمَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَبِكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْإِقْدَامِ . قَالُوا : هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ لِلْفَرَسِ . أَقُولُ : فَكَأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِقْدَامِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَهْمُ الْكَلَامِ ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَرَسِ الْمَلَكِ ، فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، أَوْ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ النِّدَاءُ بِاسْمِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ : وَقِيلَ بِضَمِّ الدَّالِ وَبِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ التَّقَدُّمِ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُهَا . وَحَيْزُومُ : اسْمُ فَرَسِ الْمَلَكِ ، وَهُوَ مُنَادَى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ وَقَالَ شَارِحٌ : سُمِّيَ بِأَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ الْأَعْضَاءِ مِنْهُ ، وَشَدَّ مَا يَسْتَظْهِرُ بِهِ الْفَارِسُ فِي رُكُوبِهِ مِنْهُ ، وَهُوَ وَسَطُ الصَّدْرِ ، وَمَا يُضَمُّ عَلَيْهِ الْحِزَامُ . قُلْتُ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَيْعُولُ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ مَادَّةِ الْحَزْمِ وَهُوَ شِدَّةُ الِاحْتِيَاطِ فِي الْأَمْرِ . ( إِذْ نَظَرَ ) أَيِ : الْمُسْلِمُ ( إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا ) ، أَيْ سَقَطَ عَلَى قَفَاهُ ( فَإِذَا هُوَ ) أَيِ : الْمُشْرِكُ ( قَدْ خُطِمَ ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْخَطْمِ ، وَهُوَ الْأَثَرُ عَلَى الْأَنْفِ ، فَقَوْلُهُ : ( أَنْفُهُ ) ، لِلتَّأْكِيدِ أَوْ إِيمَاءً إِلَى التَّجْرِيدِ ، وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ أَيْ : كُسِرَ فَهُوَ أَثَرُهُ اهـ . وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْمَصَابِيحِ بِالْحَاءِ بِالْمُهْمَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ جُرِحَ أَنْفُهُ ( وَشُقَّ وَجْهُهُ ) أَيْ : قُطِعَ ، طُولًا ( كَضَرْبَةِ السَّوْطِ ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ) ، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ : صَارَ مَوْضِعُ الضَّرْبِ كُلُّهُ أَخْضَرَ أَوْ أَسْوَدَ ، فَإِنَّ الْخُضْرَةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السَّوَادِ كَعَكْسِهِ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَمِنْ قَبِيلِ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى : مُدْهَامَّتَانِ ( فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَحَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقْتَ ) ، فِيهِ أَنَّ هَذَا الْكَشْفَ كَرَامَةٌ لِلصَّحَابِيِّ ، وَكَرَامَةُ الِاتِّبَاعِ بِمَنْزِلَةِ مُعْجِزَةِ الْمَتْبُوعِ ، لَا سِيَّمَا وَوُقُوعُهُ فِي حَضْرَتِهِ وَحُصُولِهِ لِأَجْلِ بَرَكَتِهِ ، أَوْ يُقَالُ : أَخْبَرَ الصَّحَابِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ عَمَّا يَدُلُّ عَلَى نُزُولِ الْمَلَكِ لِلْمُعَاوَنَةِ ، وَقَدْ صَدَّقَهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَيُصْبِحُ عَدُّهُ مِنَ الْمُعْجِزَةِ ثُمَّ فِي قَوْلِهِ : ( ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ) . تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَدَدَ كَانَ مِنَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا ، وَهَذَا مِنَ الثَّالِثَةِ خَاصَّةً ، فَالْإِشَارَةُ إِلَى الْمَلَكِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا بَعْدَهُ . وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ أَعْرَبَ وَقَالَ : ذَلِكَ مَفْعُولُ صَدَقْتَ . وَقَالَ : إِشَارَةٌ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ : جَمْعُ ضَرْبَةٍ إِلَخْ . ( فَقَتَلُوا ) أَيِ : الْمُسْلِمُونَ ( يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ ) ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا فَضَمِيرُهُمَا رَاجِعٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية