الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح [ 9 ] بَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ 5698 - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ ، فَقَالَ : " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ ! " قَالُوا : بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا ، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، فَقَالَ : " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ ! " . قَالُوا : قَبِلْنَا ، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ ؟ قَالَ : كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ، ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ قَالَ : يَا عِمْرَانُ ! أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . مرقاة المفاتيح [ 9 ] - بَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْبَدْءُ : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَتَسْكِينِ الدَّالِ فَالْهَمْزَةِ . بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْتَبَ بِالْوَاوِ حَتَّى لَا يَشْتَبِهَ ، ضَبْطُهُ بِضَمَّتَيْنِ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَهَمْزٍ أَوْ بِوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ بِلَا هَمْزٍ ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا الظُّهُورُ عَلَى مَا حَقَّقْتُهُ فِي رِسَالَتِي الَّتِي عَلَّقْتُهَا عَلَى أَوَّلِ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِبَابِ : كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْتَهِيًا إِلَى : وَقَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَظَّمَ مِنْ إِتْيَانِ الْإِعْرَابِ عَلَى وَجْهِ الْخُلُوِّ عَنِ الْإِغْرَابِ ، نَعَمْ لَوْ رُسِمَ بِالْيَاءِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ 5698 - ( عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ ) أَيْ وَقْتَ مَجِيئِهِمْ ( مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ) قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مَشْهُورَةٌ ( فَقَالَ : " اقْبَلُوا ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ تَقْبَلُوا مِنِّي ( الْبُشْرَى ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ الْبِشَارَةُ الْمُطْلَقَةُ أَوِ الْمَعْهُودَةُ ( يَا بَنِي تَمِيمٍ ) أَوْ هُوَ لَمَّا لَمْ يَفْهَمُوا الْإِشَارَةَ بِالْبِشَارَةِ وَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ اسْتِقْبَالِهَا بِالْقَبُولِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ حُصُولُ كُلِّ وُصُولٍ . ( قَالُوا : بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا ) فَحَمَلُوا الْبِشَارَةَ عَلَى الْإِحْسَانِ الْعُرْفِيِّ ، فَطَلَبُوا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَطَاءِ الْحَسَنِ ، وَهَذَا بِمُقْتَضَى مَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَبِّ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ ، وَغَفْلَتِهِمْ عَنِ الْمَرَاتِبِ الْآجِلَةِ ، فَكُلُّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ ، وَيَبِينُ عَنْ ذَلِكَ الْبِنَاءِ مُعَايَنَةً ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ مَنْهَجَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيِ اقْبَلُوا مِنِّي مَا يَقْتَضِي أَنْ تُبَشَّرُوا بِالْجَنَّةِ مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ جُلُّ اهْتِمَامِهِمْ إِلَّا بِشَأْنِ الدُّنْيَا وَالِاسْتِعْطَاءِ دُونَ دِينِهِمْ قَالُوا : بَشَّرْتَنَا لِلتَّفَقُّهِ ، وَإِنَّمَا جِئْنَا لِلِاسْتِعْطَاءِ فَأَعْطِنَا ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ " . وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ : بَشَّرْتَنَا هُوَ دَالٌّ عَلَى إِسْلَامِهِمْ ، وَإِنَّمَا رَامُوا الْعَاجِلَ ، وَغَفَلُوا عَنِ الْآجِلِ ، وَسَبَبُ غَضَبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَفْيِهِ قَبُولَهُمُ الْبُشْرَى إِشْعَارُهُ بِقِلَّةٍ عِلْمِهِمْ وَضَعْفِ قَابِلِيَّتِهِمْ ؛ لِكَوْنِهِمْ عَلَّقُوا آمَالَهُمْ بِعَاجِلِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ ، وَقَدَّمُوا ذَلِكَ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ الْمُوَصِّلِ إِلَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمِ اهْتِمَامَهُمْ بِالسُّؤَالِ عَنْ حَقَائِقِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ ، وَالِاعْتِنَاءِ بِضَبْطِهَا ، وَالسُّؤَالِ عَنْ وَاجِبَاتِهَا وَالْمُوَصِّلَاتِ إِلَيْهَا . ( فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ : " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ . قَالُوا : قَبِلْنَا ، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ ) أَيْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ وَلَمَّا كَانَ نِيَّتُهُمُ الصَّالِحَةُ خَالِصَةً لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ لَا لِلطَّمَعِ فِي الدُّنْيَا حَصَلَ لَهُمُ الْبِشَارَةُ وَالْقَبُولُ وَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ وَالْوُصُولُ ، وَحُرِمَ الْأَوَّلُونَ عَنِ الْبِشَارَةِ ، بَلْ وَعَنِ الْعَطَاءِ فِي الْحَقَارَةِ ، وَوَقَعُوا فِي حَضِيضِ النِّذَارَةِ ، فَالْهِمَّةُ الْعَالِيَةُ هِيَ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْغَالِيَةِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحِكَايَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ : أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُطَهَّرَةِ عَلَى قَصْدِ زِيَارَةِ تُرْبَةِ الْأَمِينِ حَمْزَةَ الْمُنَوَّرَةِ ، وَتَبِعَهُ رَجُلٌ ، فَفُتِحَ لَهُمَا بَابُ الْمَقْبَرَةِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ ، وَدَخَلَ الشَّيْخُ فِي مَحَلِّ الزِّيَارَةِ ، فَرَأَى جَمَاعَةً مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ بَرِيئَةً مِنَ النُّقْصَانِ وَالْعَيْبِ ، فَعَرَفَ أَنَّهُ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي تَبِعَهُ مُلْتَفِتًا إِلَيْهِ رَحْمَةً وَشَفَقَةً عَلَيْهِ : يَا أَخِي اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا تُرِيدُ ، فَإِنَّ الْآنَ وَقْتَ الْإِجَابَةِ وَالْمَزِيدِ ، فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى دِينَارًا وَلَمْ يَذْكُرْ جَنَّةً وَلَا نَارًا ، فَرَجَعَا وَلَمَّا وَصَلَا بَابَ الْمَدِينَةِ أَعْطَى الرَّجُلَ دِينَارًا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّكِينَةِ ، فَدَخَلَا كِلَاهُمَا عَلَى الْقُطْبِ الْوَلِيِّ السَّيِّدِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ ، وَقَدْ كُشِفَ لَهُ الْقَضِيَّةُ فَقَالَ لِلرَّجُلِ : أَيَا دَنِيَّ الْهِمَّةِ تُدْرِكُ وَقْتَ الْإِجَابَةِ ، وَتَطْلُبُ قِطْعَةَ دِينَارٍ دَنِيَّةٍ ، فَهَلَّا طَلَبْتَ كَأَبِي الْعَبَّاسِ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ لِيَكُونَا لِأَمْرِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ كَافِيَةٌ وَوَافِيَةٌ ؟ ثُمَّ مَا أَحْسَنَ طَرِيقَ سُؤَالِهِمْ مِنَ الِابْتِدَاءِ فِي أَوَّلِ حَالِهِمُ الدَّالِّ عَلَى كَمَالِ مَآلِهِمْ حَيْثُ قَالُوا : ( وَلِنَسْأَلَكَ ) أَيْ وَجِئْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ ( عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ ) أَيْ أَمْرِ الْخَلْقِ وَمَبْدَأِ الْعَالَمِ ( مَا كَانَ ؟ ) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ أَوَّلَ هَذَا . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : " مَا " فِي " مَا كَانَ " اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ ، وَكُرِّرَ السُّؤَالُ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِالْأَمْرِ ( قَالَ : " كَانَ اللَّهُ ) أَيْ فِي أَزَلِ الْآزَالِ كَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَبَدِ الْآبَادِ ، بِلَا وَصْفِ التَّغَيُّرِ وَالْحُدُوثِ عَلَى مَا هُوَ نَعْتُ الْعِبَادِ ، فَإِنَّ مَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ . ( وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ ) أَيْ لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُوجِدُهُ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مَوْجُودٍ مُمْكِنٍ قَبْلَ الْمُوجِدِ الْوَاجِبِ الْوُجُودَ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَعَالَى الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ ، مُكَرِّرٌ الْجَوَابَ عَلَى طَرِيقِ السُّؤَالِ مُطَابَقَةً فِي الِاهْتِمَامِ بِالْحَالِ ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ أَوَّلُ قَدِيمٍ بِلَا ابْتِدَاءٍ ، كَمَا أَنَّهُ كُرَّرَ آخِرُ كَرِيمٍ بِلَا انْتِهَاءٍ . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ : وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ حَالٌ ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّ خَبَرٌ ، وَالْمَعْنَى : يُسَاعِدُهُ ؛ إِذِ التَّقْدِيرُ : كَانَ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ مُنْفَرِدًا مُوَحَّدًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ ، فَإِنَّهُ جَوَّزَ دُخُولَ الْوَاوِ فِي خَبَرِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا نَحْوَ كَانَ زَيْدٌ وَأَبُوهُ قَائِمٌ عَلَى جَعْلِ الْجُمْلَةِ خَبَرًا مَعَ الْوَاوِ تَشْبِيهًا لِلْخَبَرِ بِالْحَالِ . أَقُولُ : وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنِ الْأَوَّلِ ، فَبَيَّنَ لَهُمُ الْأَوَّلِيَّةَ الْأَزَلِيَّةَ وَنَفَى لِغَيْرِهِ الْقَبْلِيَّةَ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ ؛ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ : كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ ، ثُمَّ قَالُوا : وَالْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ ، لِأَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ الْمُمْكِنِ فِي جَنْبِ وُجُودِ الْوَاجِبِ كَلَا شَيْءٍ ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ دَيَّارٌ . وَقَالَ آخَرُ : سِوَى اللَّهِ وَاللَّهِ مَا فِي الْوُجُودِ ، أَوْ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إِنَّمَا هِيَ مَظَاهِرُ صِفَاتِهِ وَمَرَامِي ذَاتِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ : كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ ، فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأُعْرَفَ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ عَلَى تَفْسِيرِ حَبْرِ الْأُمَّةِ أَيْ لِيَعْرِفُونِ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : هَذَا فَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَا امْتِزَاجَ لَهُ بِالْفَصْلِ الثَّانِي ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) لِمَا بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ مِنَ الْمُنَافَاةِ ، فَإِنَّكَ إِذَا جَعَلْتَ " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " مِنْ تَمَامِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَدْ نَاقَضْتَ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يُعَارِضْهُ فِي الْأَوَّلِيَّةِ ، وَقَدْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا مَبْدَأَ التَّكْوِينِ ، وَأَنَّهُمَا كَانَا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْعَرْشِ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا الْمَاءُ ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمُمْسِكُهُ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : أَرَادَ الشَّيْخُ بِمَا قَالَهُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ : وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ ، وَلَوْ جُعِلَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ لَزِمَ الْمَحْذُورُ ، فَإِذَا جُعِلَ مُسْتَقِلًّا وَعُطِفَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى فَلَا ، فَإِذَنْ لَفْظَةُ " كَانَ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِحَسَبِ حَالِ مَدْخُولِهِمَا ، فَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ الْأَزَلِيَّةُ وَالْقِدَمُ ، وَبِالثَّانِي الْحُدُوثُ بَعْدَ الْعَدَمِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ عَطْفٌ عَلَى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ : كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ عَنْ حُصُولِ الْجُمْلَتَيْنِ فِي الْوُجُودِ وَتَفْوِيضِ التَّرْتِيبِ إِلَى الذِّهْنِ ، قَالُوا : ( وَ ) . بِمَنْزِلَةِ ( ثُمَّ ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَاءِ مَاءُ الْبَحْرِ ، بَلْ هُوَ مَا تَحْتَ الْعَرْشِ كَمَا شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَالْمَاءُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ ، وَالرِّيحُ قَائِمَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقِيلَ : خُلِقَ الْعَرْشُ وَالْمَاءُ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، ثُمَّ خَلَقَهُمَا مِنَ الْمَاءِ بِأَنْ تَجَلَّى عَلَى الْمَاءِ فَتَمَوَّجَ وَاضْطَرَبَ وَحَصَلَ لَهُ زَبَدٌ ، فَاجْتَمَعَ فِي مَحَلِّ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ ، وَلِذَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا ، ثُمَّ أَلْقَى الْجِبَالَ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَمِيدَ ، وَأَوَّلُ الْجِبَالِ أَبُو قُبَيْسٍ عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ ، وَطَلَعَ دُخَانٌ مِنْ تَمَوُّجِ الْمَاءِ إِلَى جَانِبِ السَّمَاءِ ، فَخُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ مِنْهَا ، وَمُجْمَلَةٌ فِي سُورَةِ حم فُصِّلَتْ أَوْ تَفْصِيلُهُ فِي كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ وَسِيَرِ الْمُؤَرِّخِينَ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ . ( وَكَتَبَ ) أَيْ أَثْبَتَ جَمِيعَ مَا هُوَ كَائِنٌ ( فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ) أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ . قَالَ الرَّاوِي : ( ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ : يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ ) أَيِ الْحَقْهَا ( فَقَدْ ذَهَبَتْ ) أَيْ مُنْفَلِتَةٌ ( فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ ) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ( وَايْمُ اللَّهِ ) بِفَتْحِ هَمْزِ وَصْلٍ أَوْ قَطْعٍ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَمِيمٍ مَضْمُومَةٍ مُضَافَةٍ إِلَى الْجَلَالَةِ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ بِنَفْسِهَا وَلَيْسَتْ جَمْعًا . قَالَ شَارِحٌ : ايْمُ اللَّهِ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِلْقَسَمِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ، وَهَمْزَتُهُ لِلْوَصْلِ ، وَلَمْ يَجِئْ فِي الْأَسْمَاءِ أَلِفُ الْوَصْلِ مَفْتُوحَةً غَيْرُهَا ، وَتَقْدِيرُهُ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ هُوَ مَحْذُوفُ " أَيْمُنٍ " جَمْعُ يَمِينٍ وَهَمْزَتُهُ لِلْقَطْعِ ( لَوَدِدْتُ ) أَيْ لَتَمَنَّيْتُ ( أَنَّهَا ) أَيِ النَّاقَةُ ( قَدْ ذَهَبَتْ ) أَيْ فُقِدَتْ ( وَلَمْ أَقُمْ ) أَيْ فِي طَلَبِهَا الْمَانِعِ مِنْ سَمَاعِ بَقِيَّةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَهْلِ الْيَمَنِ . ( رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية