الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 5520 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ " لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا " فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ ، ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ " ، قَالَ : " فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا ، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ، فَيَقُولُ : أَلَا تَسْتَجِيبُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا ، وَرَفَعَ لِيتًا " قَالَ : " وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ ، فَيَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى ، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ فَيُقَالُ : أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ ، فَيُقَالُ : مِنْ كَمْ كَمْ ؟ فَيُقَالُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ " قَالَ : " فَذَلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ : " لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ " فِي بَابِ التَّوْبَةِ . مرقاة المفاتيح 5520 - ( وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) : بِالْوَاوِ ( قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ ) : وَأَبْهَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِكْمَةٍ فِي تَرْكِ التَّمْيِيزِ ، أَوْ نَسِيَهُ الرَّاوِي ; وَلِذَا قَالَ : لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا ) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا أَدْرِي إِلَى قَوْلِهِ : فَيَبْعَثُ اللَّهُ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ ، أَيْ : لَمْ يَزِدْنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَرْبَعِينَ شَيْئًا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهَا ; فَلَا أَدْرِي أَيًّا أَرَادَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، ( فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) أَيْ : فَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ( كَأَنَّهُ ) أَيْ : فِي الصُّورَةِ ( عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ) أَيِ : الثَّقَفِيُّ ، شَهِدَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ كَافِرًا ، وَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الطَّائِفِ وَأَسْلَمَ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قَوْمِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَتَلُوهُ ، وَقِيلَ : هُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، ( فَيَطْلُبُهُ ) أَيْ : عِيسَى الدَّجَّالَ ( فَيُهْلِكُهُ ) أَيْ : بِحَرْبَةٍ ( ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ ) ، تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ خِلَافُهُ ، ( لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْعَدَدِ ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا سَبَقَ مِنَ الزِّيَادَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّرَاخِي الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ : ( ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ ) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ : جَانِبِهِ ( فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ ) : الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّعْبِيرِ ، ( إِلَّا قَبَضَتْهُ ) : إِلَّا أَخَذَتْ رُوحَهُ تِلْكَ الرِّيحُ ( حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ ) أَيْ : فَرْضًا وَتَقْدِيرًا عَلَى الْمُبَالَغَةُ ( فِي كَبِدِ جَبَلٍ ) أَيْ : وَسَطَهُ وَجَوْفَهُ ، وَمِنْهُ كَبِدُ السَّمَاءِ وَسَطُهَا ( لَدَخَلَتْهُ ) أَيْ : كَبِدَ الْجَبَلِ ( عَلَيْهِ ) أَيْ : عَلَى أَحَدِكُمْ ( حَتَّى تَقْبِضَهُ ) . قَالَ : ( فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ : الْمُرَادُ بِخِفَّةِ الطَّيْرِ اضْطِرَابُهَا وَتَنَفُّرُهَا بِأَدْنَى تَوَهُّمٍ شَبَّهَ حَالَ الْأَشْرَارِ فِي تَهَتُّكِهِمْ وَعَدَمِ وَقَارِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ وَاخْتِلَالِ رَأْيِهِمْ ، وَمَيْلِهِمْ إِلَى الْفُجُورِ وَالْفَسَادِ بِحَالِ الطَّيْرِ . ( وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ ) أَيْ : وَفِي عُقُولِهَا النَّاقِصَةِ ، جَمْعُ حُلُمٍ بِالضَّمِّ ، أَوْ جَمْعُ حِلْمٍ بِالْكَسْرَةِ ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ خَالِينَ عَنِ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ ، بَلِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الطَّيْشُ وَالْغَضَبُ وَالْوَحْشَةُ وَالْإِتْلَافُ وَالْإِهْلَالُ وَقِلَّةُ الرَّحْمَةِ ، ( لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا ) : بَلْ يَعْكِسُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ ، ( فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ) أَيْ : يَتَصَوَّرُ لَهُمْ بِصُورَةِ إِنْسَانٍ ، فَكَانَ التَّشَكُّلُ أَقْوَى عَلَى التَّسَلُّطِ فِي الضَّلَالَةِ مِنْ طَرِيقِ الْوَسْوَسَةِ ; وَلِذَا قَدَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ فِي قَوْلِهِ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، ( فَيَقُولُ : أَلَا تَسْتَحْيُونَ ) أَيْ : مِنَ اللَّهِ فِي تَرْكِ عِبَادَتِهِ وَالتَّوَسُّلِ إِلَى مَقَامِ قُرْبَتِهِ ( فَيَقُولُونَ : فَمَاذَا تَأْمُرُنَا ) ؟ أَيْ : بِهِ نَمْتَثِلُهُ ، فَمَا مَوْصُولَةٌ أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ ، فَالْمَعْنَى : فَأَيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُنَا لِنُطِيعَكَ فِيهِ ؟ ( فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ) أَيْ : تَوَسُّلًا إِلَى رِضَا الرَّحْمَنِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ، وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ، ( وَهُمْ فِي ذَلِكَ ) أَيْ : وَالْحَالُ أَنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَوْصَافِ الرَّدِيئَةِ وَالْعِبَادَاتِ الْوَثَنِيَّةِ ( دَارٌّ ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ كَثِيرٌ ( رِزْقُهُمْ ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ ) : فَالْأَوَّلُ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَمِّيَّةِ ، وَالثَّانِي إِلَى الْكَيْفِيَّةِ ، أَوِ الْأَوَّلُ إِيمَاءٌ إِلَى كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْهَارِ ، وَإِثْمَارِ الْأَشْجَارِ ، وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْأَمْنِ وَعَدَمِ الظُّلْمِ وَكَثْرَةِ الصِّحَّةِ وَالْغِنَى بِالْمَالِ وَالْجَاهِ ، ( ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَالنَّافِخُ هُوَ إِسْرَافِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ( فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا ) : بِكَسْرِ اللَّامِ ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ أَمَالَ صَفْحَةَ عُنُقِهِ خَوْفًا وَدَهْشَةً . ( وَرَفَعَ لِيتًا ) ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا أَنَّ السَّامِعَ يَصْعَقُ فَيُصْغِي لِيتًا وَيَرْفَعُ لِيتًا ، أَيْ : يَصِيرُ رَأْسُهُ هَكَذَا ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ مَنْ يُصِيبُهُ صَيْحَةٌ فَيُشَقُّ قَلْبُهُ ، فَأَوَّلُ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ سُقُوطُ رَأْسِهِ إِلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ ; فَأَسْنَدَ الْإِصْغَاءَ إِلَيْهِ إِسْنَادَ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ . ( قَالَ : وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ ) أَيْ : يُطَيِّنُ وَيُصْلِحُ ( حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ ) أَيْ : يَمُوتُ هُوَ أَوَّلًا ( وَيَصْعَقُ النَّاسُ ) أَيْ : مَعَهُ ، ( ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيِ : الْمَطَرُ الضَّعِيفُ الصَّغِيرُ الْقَطْرِ ( فَيَنْبُتُ مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ أَجْلِهِ وَسَبَبِهِ ( أَجْسَادُ النَّاسِ ) أَيِ : النَّخِرَةُ فِي قُبُورِهِمْ ( ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى ; فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) ، وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَامًا عَلَى مَا سَيَأْتِي ، ( ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! هَلُمَّ ) : فِي الْقَامُوسِ : هَلُمَّ يُقَالُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَاءِ التَّنْبِيهِ وَمِنْ لَمْ أَيْ : ضُمَّ نَفْسَكَ إِلَيْنَا ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ ، فَالْمَعْنَى : تَعَالَوْا أَوِ ارْجِعُوا وَأَسْرِعُوا إِلَى رَبِّكُمْ ، ( قِفُوهُمْ ) ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ : ( وَقِفُوهُمْ ) بِالْعَاطِفَةِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ ، يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ أَيْ : يُقَالُ لِلنَّاسِ هَلُمَّ ، وَيُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ قِفُوهُمْ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ الْعَاطِفِ ، فَهُوَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ انْتَهَى . وَهُوَ أَمْرُ مُخَاطِبٍ لِلْمَلَائِكَةِ وَالضَّمِيرُ لِلنَّاسِ ، يُقَالُ : وَقَفَتِ الدَّابَّةُ وَوَقَفْتُهَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى ، الْمَعْنَى احْبِسُوهُمْ ( إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ( فَيُقَالُ : أَخْرِجُوا ) : أَمْرٌ لِلْمَلَائِكَةِ أَيْ : مَيِّزُوا مِمَّا بَيْنَ الْخَلَائِقِ ( بَعْثَ النَّارِ ) أَيْ : مَبْعُوثَهَا بِمَعْنَى مَنْ يُبْعَثُ إِلَيْهَا ( فَيُقَالُ : مِنْ كَمْ ؟ كَمْ ؟ ) أَيْ : سَأَلَ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ كَمِّيَّةِ الْعَدَدِ الْمَبْعُوثِ إِلَى النَّارِ ، فَيَقُولُونَ : كَمْ عَدَدًا نُخْرِجُهُ مِنْ كَمْ عَدَدٍ ؟ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَكَمِ الْأُولَى خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ، وَكَمِ الثَّانِيَةُ مُبْتَدَأٌ ، أَوْ هُمَا مَفْعُولَا نُخْرِجُ الَّذِي لِلْمُتَكَلِّمِ ، ( فَيُقَالُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ ) : بِالنَّصْبِ أَيْ : أَخْرِجُوا لِلنَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ ( وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ) ، قِيلَ : هُمُ الَّذِينَ يَسْتَوْجِبُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ يُتْرَكُونَ فِيهَا بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصْرَفُوا عَنْ طَرِيقِ جَهَنَّمَ بِالشَّفَاعَةِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُصُوا مِنْهَا بَعْدَ دُخُولِهَا بِالشَّفَاعَةِ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ عَذَابَ النَّارِ بِلَا حِسَابٍ وَلَا كِتَابٍ ، فَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِي الْعِقَابِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . ( فَذَلِكَ ) أَيِ : الْوَقْتُ ( يَوْمَ ) ، أَوْ فَذَلِكَ الْحُكْمُ وَقْتَ ( يُجْعَلُ ) أَيْ : يَصِيرُ فِيهِ ( الْوِلْدَانُ ) أَيِ : الصِّبْيَانُ جَمْعُ وَلِيدٍ ( شِيبًا ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ أَشْيَبَ كَأَبْيَضَ وَبِيضٍ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَصِيرُ الْأَطْفَالُ شِيبًا فِي الْحَالِ ، فَالْمَعْنَى لَوْ أَنَّ وَلِيدًا شَابَ مِنْ وَاقِعَةٍ عَظِيمَةٍ لَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ هَذَا ، يَوْمَ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ مُضَافًا ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ مَرْفُوعًا ، وَيُجْعَلَ الْوِلْدَانُ صِفَةً لَهُ ، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مَجَازِيًّا وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا مَفْتُوحًا ، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ حِينَئِذٍ حَقِيقِيًّا وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ وَأَوْفَقُ ، لِمَا وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ، ( وَذَلِكَ ) أَيْ : أَيْضًا ( يَوْمَ يُكْشَفُ ) : فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِرَفْعِ يَوْمٍ مُنَوَنًّا ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْفَتْحِ مُضَافًا ، وَهُوَ أَوْفَقُ لِمَا فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ يُكْشَفُ ( عَنْ سَاقٍ ) أَيْ : شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ ، يُقَالُ : كَشَفَتِ الْحَرْبُ عَنِ السَّاقِ إِذَا اشْتَدَّ فِيهَا ، وَكَانَ أَصْلُهُ أَنَّ الْوَلَدَ يَمُوتُ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ ، فَيُدْخِلُ الْمُدْمِرُ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا فَيَأْخُذُ سَاقَهُ ; فَجُعِلَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَظِيمٍ وَخَطْبٍ جَسِيمٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا مِمَّا هَابَ الْقَوْلَ فِيهِ شُيُوخُنَا ، فَأَجْرَوْهُ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ ، وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ بَاطِنِ مَعْنَاهُ ، عَلَى نَحْوِ مَذْهَبِهِمْ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ تَفْسِيرِ كُلِّ مَا لَا يُحِيطُ الْعِلْمُ بِكُنْهِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، أَمَّا مَنْ تَأَوَّلَهُ فَقَالَ : ذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ وَبَلِيَّةٍ فَظِيعَةٍ ، وَهُوَ إِقْبَالُ الْآخِرَةِ وَظُهُورُهَا وَذَهَابُ الدُّنْيَا وَإِدْبَارُهَا ، وَيُقَالُ لِلْأَمْرِ إِذَا اشْتَدَّ وَتَفَاقَمَ وَظَهَرَ وَزَالَ خَفَاؤُهُ : كَشَفَ عَنْ سَاقِهِ ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ سَاقٌ . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) . وَذَكَرَ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ : ( لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ ) أَيْ : حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، فَالْمُرَادُ بِالْهِجْرَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ هِيَ الْهِجْرَةُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ ، أَوْ مِنْ دِيَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى دِيَارِ السُّنَّةِ ، أَوْ مِنْ بِلَادِ الشَّرِّ إِلَى بِلَادِ الْخَيْرِ ، ( فِي بَابِ التَّوْبَةِ ) : وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌّ مُنْضَمٌّ إِلَى بَيَانٍ قَوْلِيٍّ ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ أَنْسَبُ بِذَلِكَ الْبَابِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية