الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 5420 - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِىَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ " اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا " . " . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . مرقاة المفاتيح 5420 - ( وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ) أَيِ : الْأَشْجَعِيِّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ( قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ ) أَيْ : خَيْمَةٌ ( مِنْ أَدَمٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ : مِنْ جِلْدٍ ( فَقَالَ : " اعْدُدْ " ) أَيِ : احْسِبْ وَعُدَّ ( " سِتًّا " ) أَيْ : مِنَ الْعَلَامَاتِ الْوَاقِعَةِ ( " بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ " ) أَيْ : قُدَّامَهَا ، ( " مَوْتِي " ) أَيْ : فَوْتِي بِانْتِقَالِي مِنْ دَارِ الدُّنْيَا إِلَى الْأُخْرَى ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ زَوَالِ الْكَمَالِ بِحِجَابِ الْجَمَالِ ، ( " ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " ) بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ قَافٍ وَكَسْرٍ دَالٍّ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٌ فَتَشْدِيدٌ ، ( " ثُمَّ مُوتَانٌ " ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ : وَبَاءٌ ( " يَأْخُذُ فِيكُمْ " ) أَيْ : يَتَصَرَّفُ فِي أَبْدَانِكُمْ ، ( " كَقُعَاصِ الْغَنَمِ " ) : بِضَمِّ الْقَافِ دَاءٌ يَأْخُذُ الْغَنَمَ ، فَلَا يَلْبَثُهَا أَنْ تَمُوتَ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : أَرَادَ بِالْمُوَتَانِ الْوَبَاءَ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَوْتٌ يَقَعُ فِي الْمَاشِيَةِ ، وَالْمِيمُ مِنْهُ مَضْمُومَةٌ ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْإِنْسَانِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُقُوعِهِ فِيهِمْ وُقُوعَهُ فِي الْمَاشِيَةِ ، فَإِنَّهَا تُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ أَوَّلُ طَاعُونٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ ، مَاتَ مِنْهُ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَعَمَوَاسُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَقَدْ كَانَ بِهَا مُعَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ . ( " ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ " ) أَيْ : كَثْرَتُهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ، وَأَصْلُهُ التَّفَرُّقُ وَالِانْتِشَارُ ، يُقَالُ : اسْتَفَاضَ الْحَدِيثُ إِذَا انْتَشَرَ ، وَفِي النِّهَايَةِ : هُوَ مِنْ فَاضَ الْمَالُ وَالدَّمْعُ وَغَيْرُهُمَا إِذَا كَثُرَ ، ( " حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ " ) بِالرَّفْعِ وَجُوِّزَ النَّصْبُ أَيْ : فَيَصِيرُ ( " سَاخِطًا " ) أَيْ : غَضْبَانُ ; لِعَدِّهِ الْمِائَةَ قَلِيلًا ، وَهَذِهِ الْكَثْرَةُ ظَهَرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عِنْدَ الْفُتُوحِ ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَبَعْضُ أَهْلِ زَمَانِنَا يَعُدُّونَ الْأَلْفَ قَلِيلًا وَيُحَقِّرُونَهُ ، ( " ثُمَّ فِتْنَةٌ " ) أَيْ : بَلِيَّةٌ عَظِيمَةٌ ، قِيلَ : هِيَ مَقْتَلُ عُثْمَانَ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْفِتَنِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا ، ( " لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ " ) قِيلَ : الْمُرَادُ مِنْ بُيُوتِ أُمَّتِهِ ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْعَرَبَ لِشَرَفِهَا وَقُرْبِهَا مِنْهُ ، فَفِيهِ نَوْعُ تَغْلِيبٍ ، أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى مَا قِيلَ : إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَهُوَ عَرَبِيٌّ ، ( " ثُمَّ هُدْنَةٌ " ) أَيْ : مُصَالَحَةٌ ( " تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ " ) أَيِ : الْأَرْوَامُ ; سُمَّوْا بِذَلِكَ لِأَنَّ أَبَاهُمُ الْأَوَّلَ وَهُوَ الرُّومُ بْنُ عِيصُو بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ، كَانَ أَصْفَرَ فِي بَيَاضٍ ، وَقِيلَ : سُمَّوْا بِاسْمِ رَجُلٍ أَسْوَدَ مَلَكَ الرُّومَ ، فَنَكَحَ مِنْ نِسَائِهَا فَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ ; فَنُسِبَ الرُّومُ إِلَيْهِ ، ( " فَيَغْدِرُونَ " ) أَيْ : يَنْقُضُونَ عَهْدَ الْهُدْنَةِ ( " فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً " ) أَيْ : رَايَةً وَهِيَ الْعَلَمُ . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَنْ رَوَاهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَرَادَ بِهَا الْأَجَمَةَ ، فَشَبَّهَ كَثْرَةَ رِمَاحِ الْعَسْكَرِ بِهَا . ( " تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا " ) أَيْ : أَلْفُ فَارِسٍ . قَالَ الْأَكْمَلُ : جُمْلَتُهُ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتُّونَ أَلْفًا . ( رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ ، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْوَهْمِ ; فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ : مَا يَجُوزُ مِنَ الْغَدْرِ ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ ، وَقَدَّمْتُ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّحِيحِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية