الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 5399 - وَعَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ، فَكَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : ذَكَرَ إِلَى قَوْلِهِ : " خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي " ، ثُمَّ قَالُوا : فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : " كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ " . وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْفِتْنَةِ : " كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ ، وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ " . وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . مرقاة المفاتيح 5399 - ( وَعَنْ أَبِي مُوسَى ) أَيِ : الْأَشْعَرِيُّ ( عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ " ) أَيْ : قُدَّامَهَا مِنْ أَشْرَاطِهَا ( " فِتَنًا " ) أَيْ : فِتَنًا عِظَامًا وَمِحَنًا جِسَامًا ( " كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ " ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَيُسَكَّنُ ، أَيْ : كُلُّ فِتْنَةٍ كَقِطْعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فِي شِدَّتِهَا وَظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ تَبَيُّنِ أَمْرِهَا . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : يُرِيدُ بِذَلِكَ الْتِبَاسَهَا وَفَظَاعَتَهَا ، وَشُيُوعَهَا وَاسْتِمْرَارَهَا . ( يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا ) أَيْ : فِي تِلْكَ الْفِتَنِ ( مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا " ) ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِصْبَاحِ وَالْإِمْسَاءِ تَقَلُّبُ النَّاسِ فِيهَا وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ ، لَا بِخُصُوصِ الزَّمَانَيْنِ ، فَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَرَدُّدِ أَحْوَالِهِمْ ، وَتَذَبْذُبِ أَقْوَالِهِمْ ، وَتَنَوُّعِ أَفْعَالِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَنَقْضٍ ، وَأَمَانَةٍ وَخِيَانَةٍ ، وَمَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ ، وَسُّنَّةٍ وَبِدْعَةٍ ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ ، ( " الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي " ) أَيْ : كُلَّمَا بَعُدَ الشَّخْصُ عَنْهَا وَعَنْ أَهْلِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ قُرْبِهَا وَاخْتِلَاطِ أَهْلِهَا ; لِمَا سَيَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِهَا ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ ( " فَكَسِّرُوا فِيهِ قِسِيَّكُمْ " ) : بِكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعِ الْقَوْسِ ، وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْكَسْرِ إِلَى التَّكْسِيرِ مُبَالَغَةٌ ; لِأَنَّ بَابَ التَّفْعِيلِ لِلتَّكْثِيرِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : ( " وَقَطِّعُوا " ) أَمْرُهُ مِنَ التَّقَطُّعِ ( " فِيهَا أَوْتَارَكُمْ " ) وَفِيهِ زِيَادَةٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ ; إِذْ لَا مَنْفَعَةَ لِوُجُودِ الْأَوْتَارِ مَعَ كَسْرِ الْقِسِيِّ ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْغَيْرُ ، وَلَا يَسْتَعْمِلُهَا فِي الشَّرِّ دُونَ الْخَيْرِ ، ( " وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ " ) أَيْ : حَتَّى تَنْكَسِرَ أَوْ حَتَّى تَذْهَبَ حِدَّتُهَا ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْأَرْمَاحُ وَسَائِرُ السِّلَاحِ ، ( " فَإِنْ دُخِلَ " ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ ، وَنَائِبِ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ : ( " عَلَى أَحَدٍ " ) ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ : ( " مِنْكُمْ " ) بَيَانِيَّةٌ ، ( " فَلْيَكُنْ " ) أَيْ : ذَلِكَ الْأَحَدُ ( " كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ " ) أَيْ : فَلْيَسْتَسْلِمْ حَتَّى يَكُونَ قَتِيلًا كَهَابِيلَ ، وَلَا يَكُونُ قَاتِلًا كَقَابِيلَ . ( رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ) أَيْ : لِأَبِي دَاوُدَ عَنْهُ ( ذُكِرَ ) أَيِ : الْحَدِيثُ ( إِلَى قَوْلِهِ : " خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي " ثُمَّ قَالُوا ) أَيْ : بَعْضُ الصَّحَابَةِ ( فَمَا تَأْمُرُنَا ) ؟ أَيْ أَنْ نَفْعَلَ حِينَئِذٍ ( قَالَ : " كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ " ) : أَحْلَاسُ الْبُيُوتِ مَا يُبْسَطُ تَحْتَ حُرِّ الثِّيَابِ ، فَلَا تَزَالُ مُلْقَاةً تَحْتَهَا ، وَقِيلَ : الْحِلْسُ هُوَ الْكِسَاءُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ تَحْتَ الْقَتَبِ وَالْبَرْذَعَةِ ، شَبَّهَهَا بِهِ لِلُزُومِهَا وَدَوَامِهَا ، وَالْمَعْنَى : الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَالْتَزِمُوا سُكُوتَكُمْ ; كَيْلَا تَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي بِهَا دِينُكُمْ يَفُوتُكُمْ ، ( وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْفِتْنَةِ ) أَيْ : فِي أَيَّامِهَا وَزَمَنِهَا ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ : ( كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ ) أَيْ : كُونُوا مُلَازِمِيهَا ; لِئَلَّا تَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ وَالْمُحَارِبِينَ فِيهَا ، ( " وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ " ) الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ تَحْتَ عِبَارَةٍ ظَرِيفَةٍ ، وَهُوَ أَنَّ هَابِيلَ الْمَقْتُولَ الْمَظْلُومَ هُوَ ابْنُ آدَمَ لَا قَابِيلَ الْقَاتِلَ الظَّالِمَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ وَلَدِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ( وَقَالَ ) أَيِ : التِّرْمِذِيُّ ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية