الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح [ 8 ] بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ 5371 - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ : " أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا ، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ ، وَإِنِّي خَلَقَتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلَتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْتُ : رَبِّ ! إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي ، فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً ، قَالَ : اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا أَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقُ عَلَيْكَ ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مرقاة المفاتيح [ 8 ] بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوِ الْبَاءُ سَاكِنٌ عَلَى الْوَقْفِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : بَابٌ فِي ذِكْرِ الْإِنْذَارِ وَالتَّحْذِيرِ ، أَيْ : التَّخْوِيفُ وَالتَّذْكِيرُ . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ 5371 - ( عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ : وَكَانَ صَدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِيمًا ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، وَهُوَ تَمِيمِيٌّ يُعَدُ فِي الْبَصْرِيِّينَ ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ ) أَيِ : الْمَعْرُوفَةُ أَوْ فِي مَوْعِظَتِهِ ( " أَلَا " ) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ ( " إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي " ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيَانِ " مَا " أَوْ تَبْعِيضِيَّةٍ عَلَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ خَبَرٌ لِمَا بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ ، أَيْ : مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّمَنِي ( " يَوْمِي هَذَا " ) أَيْ : بِمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِخُصُوصِهِ ( كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ ) أَيْ : أَعْطَيْتُهُ ( عَبْدًا ) أَيْ : مِنْ عِبَادِي وَمَلَّكْتُهُ إِيَّاهُ ، فَلَا يَدْخُلُ الْحَرَامُ ( حَلَالٌ ) أَيْ : فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُحَرِّمَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ ، وَهَذَا مِنْ مَقُولِ اللَّهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ ) أَيْ : مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ الْحَقِّ وَمَائِلِينَ إِلَيْهِ عَنِ الْبَاطِلِ ( كُلَّهُمْ ) أَيْ : جَمِيعُهُمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " وَهِيَ التَّوْحِيدُ الْمُطْلَقُ ، وَمَا بِهِ يَتَعَلَّقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أَيْ : لَا تُبَدِّلُوا مَخْلُوقَاتِهِ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَنَحْوِهَا : ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أَيِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَلَا تَعْدِلُوا عَنِ الْجَادَّةِ إِلَى الطَّرِيقِ الزَّائِغَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أَيْ : عَنْ طَرِيقِهِ الْحَقِيقِيِّ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ ، الْمَقْبُولِ لَدَيْهِ لِمَنْ أَرَادَ الْمِنَّةَ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ضَلَالَةِ الْخَلَقِ وَغَوَايَتِهِمْ عَنِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ : ( وَإِنَّهُمْ ) أَيْ : عِبَادِي الْحُنَفَاءُ ( أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ ) ، أَيْ جَاءُوهُمْ بِالْوَسْوَسَةِ ( فَاجْتَالَتْهُمْ ) أَيْ : صَرَفَتْهُمْ وَسَاقَتْهُمْ مَائِلِينَ ( عَنْ دِينِهِمْ ) مِنِ اجْتَالَهُ أَيْ سَاقَهُ وَذَهَبَ بِهِ ، وَقِيلَ : الِافْتِعَالُ بِهَا لِلْحَمْلِ عَلَى الْفِعْلِ ، كَاخْتَطَبَ زَيْدٌ عُمَرَ أَيْ حَمَلَهُ عَلَى الْخُطْبَةِ ، فَالْمَعْنَى : حَمَلَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَلَى جَوَلَانِهِمْ وَمَيَلَانِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ ( وَحَرَّمَتْ ) أَيْ : الشَّيَاطِينُ ( عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ) أَيْ : مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَغَيْرِهِمَا ، وَتَوْضِيحُهُ مَا حَقَّقَهُ الْقَاضِي حَيْثُ قَالَ : قَوْلُهُ كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ حِكَايَةُ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْحَى إِلَيْهِ فِي يَوْمِهِ هَذَا ، وَالْمَعْنَى : مَا أَعْطَيْتُ عَبْدًا مِنْ مَالٍ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الْحَرَامُ رِزْقًا ، لِأَنَّ كُلَّ رِزْقٍ سَاقَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عَبْدِهِ نَحَلَهُ وَأَعْطَاهُ ، وَكُلُّ مَا نَحَلَهُ وَأَعْطَاهُ فَهُوَ حَلَالٌ ، فَيَكُونُ كُلُّ رِزْقٍ رَزَقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ هُوَ حَلَالٌ ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِحَلَالٍ لَيْسَ بِرِزْقٍ ; لِأَنَّا نَقُولُ : الرِّزْقُ أَعَمُّ مِنَ الْإِعْطَاءِ ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ ، وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ أَلْفًا بَانَتْ وَدَخَلَ الْأَلْفُ فِي مِلْكِهِ ، وَلَا كَذَلِكَ الرِّزْقُ ، ( وَأَمَرَتْهُمْ ) أَيِ : الشَّيَاطِينُ لَهُمْ ( أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا ) أَيْ : إِشْرَاكًا أَوْ شَيْئًا ( لَمْ أُنْزِلْ بِهِ ) أَيْ : بِوُجُودِهِ ( سُلْطَانًا ) أَيْ : حُجَّةً وَبُرْهَانًا سُمِّيَتْ بِهِ لِتَسَلُّطِهِ عَلَى الْقُلُوبِ عِنْدَ هُجُومِ الْخَوَاطِرِ عَلَيْهَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، وَالْمَعْنَى : مَا لَيْسَ عَلَى إِشْرَاكِهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ وَلَا نَقْلِيٌّ ; إِذْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَبَيَّنَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، بَلِ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ حَيْثُ قَالَ : وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَالْقُرْآنُ مَشْحُونٌ بِالْأَدِلَّةِ عَلَى بُطْلَانِ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَفْعُولُ يُشْرِكُوا يُرِيدُ بِهِ الْأَصْنَامَ ، وَسَائِرَ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، أَيْ : أَمَرَتْهُمْ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ بِعِبَادَةِ مَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِعِبَادَتِهِ ، وَلَمْ يَنْصَبْ دَلِيلًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا أَيْ : لَا إِنْزَالَ سُلْطَانٍ وَلَا شَرِيكَ عَلَى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ : عَلَى لَا حُبَّ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ أَيْ : لَا مَنَارَ وَلَا اهْتِدَاءَ بِهِ ، وَقَوْلِهِ : وَلَا يَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ أَيْ : لَا ضَبَّ وَلَا انْحِجَارَ ، نَفْيًا لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ، أَيِ : الْقَيْدُ وَالْمُقَيَّدُ ، وَقِيلَ : هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ ، إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُنْزِلَ بُرْهَانًا أَنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ ، ( " وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ " ) أَيْ : رَآهُمْ وَوَجَدَهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى الشِّرْكِ مُنْهَمِكِينَ فِي الضَّلَالَةِ ( " فَمَقَتَهُمْ " ) أَيْ : أَبْغَضَهُمْ ( " عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ " ) : بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ ، وَالْمُرَادُ بِالْعَجَمِ غَيْرُ الْعَرَبِ ، وَالْمَعْنَى أَبْغَضُهُمْ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ وَخُبْثِ عَقِيدَتِهِمْ وَاتِّفَاقِهِمْ قَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الشِّرْكِ ، وَانْغِمَاسِهِمْ فِي الْكُفْرِ ، قَوْمُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَفَرُوا بِعِيسَى ، وَعَبَدُوا عُزَيْرًا ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ ، وَقَوْمُ عِيسَى ذَهَبُوا إِلَى التَّثْلِيثِ ، أَوْ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، ( " إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " ) أَيْ : مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَبَرَّأُوا عَنِ الشِّرْكِ ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِ عِيسَى بَقُوا مُتَابَعَتَهُ إِلَى أَنْ آمَنُوا بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( " وَقَالَ " ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنَّمَا بَعَثْتُكَ ) أَيْ : أَرْسَلْتُكَ يَا مُحَمَّدُ ( لِأَبْتَلِيَكَ ) أَيْ : لِأَمْتَحِنَكَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى إِيذَاءِ قَوْمِكَ إِيَّاكَ ( وَأَبْتَلِيَ بِكَ ) أَيْ : قَوْمُكَ هَلْ يُؤْمِنُونَ بِكَ أَمْ يَكْفُرُونَ ( وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا ) أَيْ : عَظِيمًا ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ( لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ ) ، أَيْ : لَمْ نَكْتَفِ بِإِيدَاعِهِ الْكُتُبَ فَيَغْسِلُهُ الْمَاءُ ، بَلْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا مَحْفُوظًا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ تَعَالَى : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَقَالَ سُبْحَانَهُ : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ أَوِ الْمُرَادُ بِالْغَسْلِ النَّسَخُ ، وَالْمَاءُ مَثَلٌ ، أَيْ : لَا يَنْزِلُ بَعْدَهُ كِتَابٌ يَنْسَخُهُ ، وَلَا نَزَلَ قَبْلَهُ كِتَابٌ يُبْطِلُهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ : كِتَابًا مَحْفُوظًا فِي الْقُلُوبِ لَا يَضْمَحِلُّ بِغَسْلِ الْقَرَاطِيسِ ، أَوْ كِتَابًا مُسْتَمِرًّا مُتَدَاوَلًا بَيْنَ النَّاسِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَى بِالْكُلِّيَّةِ ، وَعَبَّرَ عَنْ إِبْطَالِ حُكْمِهِ ، وَتَرْكِ قِرَاءَتِهِ ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ بِغَسْلِ أَوْرَاقِهِ بِالْمَاءِ ، عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ ، أَوْ كِتَابًا وَاضِحًا آيَاتُهُ ، بَيِّنًا مُعْجِزَاتُهُ ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ ، وَلَا يَدْحَضُهُ شُبْهَةُ مُنَاظِرٍ ، فَمِثْلُ الْإِبْطَالِ مَعْنَى بِالْإِبْطَالِ صُورَةً ، وَقِيلَ : كُنِيَ بِهِ عَنْ غَزَارَةِ مَعْنَاهِ وَكَثْرَةِ جَدْوَاهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : مَالُ فُلَانٍ لَا يُفْنِيهِ الْمَاءُ أَوِ النَّارُ ، وَقَوْلُهُ : ( " تَقْرَؤُهُ " ) أَيْ : أَنْتَ ( نَائِمًا وَيَقْظَانَ ) بِسُكُونِ الْقَافِ ، وَالْمَعْنَى : يَصِيرُ لَكَ مِلْكَةً بِحَيْثُ يَحْضُرُ فِي ذِهْنِكَ وَتَلْتَفِتُ إِلَيْهِ نَفْسُكَ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ ، فَلَا تَغْفُلُ عَنْهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْقَادِرِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَاهِرِ بِهِ هُوَ يَفْعَلُهُ بِالْمَاءِ ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَخُلَاصَتُهُ : أَنَّهُ فِي قَلْبِكَ وَأَنْتَ نَائِمٌ ، وَأَقُولُ : لَا احْتِيَاجَ إِلَى التَّأْوِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَلْبِهِ الْجَلِيلِ ، لِأَنَّهُ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ ، وَقَدْ شُوهِدَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ وَهُمْ نَائِمُونَ . وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا حَكَى بَعْضُ الْمُرِيدِينَ أَنَّهُ وَشَيْخَهُ كَانَا يَتَدَارَسَانِ وَقْتَ السَّحَرِ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عُشْرًا عُشْرًا ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَتَاهُ الْمُرِيدُ وَقْتَ السَّحَرِ عَلَى عَادَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ ، وَأَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ وِرْدَهُ ، فَلَمَّا تَمَّ الْعُشْرَ سَمَعَ مِنَ الْقَبْرِ صَوْتَ شَيْخِهِ أَنَّهُ قَرَأَ عُشْرًا وَسَكَتَ ، وَهَكَذَا كَانَ الْأَمْرُ مُسْتَمِرًّا ، إِلَى أَنَّهُ حَكَى الْمُرِيدُ الْقَضِيَّةَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ ، فَوَقَعَ تَحْتَ حِجَابِهِ وَنَظِيرِهِ سَمَاعُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ صَوْتَ الْأَذَانِ مِنَ الضَّرِيحِ الْأَنْوَرِ أَيَّامَ فِتْنَةِ يَزِيدَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ إِلَّا سَعِيدًا ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّهُ شَيْخٌ مَجْنُونٌ ، ( " وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ " ) أَيْ : أَهْلِكَ ( " قُرَيْشًا " ) أَيْ : كُفَّارَهُمْ ( " فَقُلْتُ : رَبِّ " ) ! أَيْ : يَا رَبِّ ( " إِذًا " ) : بِالتَّنْوِينِ ( يَثْلَغُوا ) بِفَتْحِ اللَّامِ ، أَيْ : يَشْدَخُوا وَيَكْسِرُوا ( " رَأْسِي ، فَيَدَعُوهُ " ) بِفَتْحِ الدَّالِ ، أَيْ : رَأْسِي ( " خُبْزَةً " ) أَيْ : فَيَتْرُكُوهُ بِالشَّدْخِ بَعْدَ الشَّكْلِ الْكُرَوِيِّ مُصَحَّفًا مِثْلَ خُبْزَةٍ ( " قَالَ " ) أَيْ : اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اسْتَخْرِجْهُمْ ) أَيْ : قُرَيْشًا ، وَالْمُرَادُ كُفَّارُهُمْ ( كَمَا أَخْرَجُوكَ ) أَيْ : كَإِخْرَاجِهِمْ إِيَّاكَ جَزَاءً وِفَاقًا ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْإِخْرَاجِينِ بَوْنٌ بَيِّنٌ ، فَإِنَّ إِخْرَاجَهُمْ إِيَّاهُ بِالْبَاطِلِ ، وَإِخْرَاجَهُ إِيَّاهُمْ بِالْحَقِّ ( وَاغْزُهُمْ ) أَيْ : وَجَاهِدْهُمْ ، فَالْوَاوُ بِمُطْلِقِ الْجَمْعِ ، فَإِنَّ الْقِتَالَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِخْرَاجِ ( نُغْزِكَ ) بِضَمِّ النُّونِ مِنْ أَغْزَيْتَهُ إِذَا جَهَّزْتَهُ لِلْغَزْوِ وَهَيَّأْتَ لَهُ أَسْبَابَهُ ( وَأَنْفِقْ ) أَيْ : مَا فِي جُهْدِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ( فَسَنُنْفِقُ عَلَيْكَ ) أَيْ : نُخْلِفُ عَلَيْكَ بَدَلَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخَرَةِ ، قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَفِيهِ وَعْدٌ وَتَسْلِيَةٌ ( وَابْعَثْ ) أَيْ : أَرْسِلْ أَنْتَ ( جَيْشًا ) أَيْ : كَبِيرًا وَصَغِيرًا ( نَبْعَثْ خَمْسَةً ) أَيْ : مِقْدَارَ خَمْسَةٍ ( مِثْلَهُ ) بِالنَّصْبِ ، وَالْمَعْنَى : نَبْعَثُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَمْسَةَ أَمْثَالٍ تُعِينُهُمْ كَمَا فَعَلَ بِبَدْرٍ ، قَالَ تَعَالَى : بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ أَلْفًا وَالْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ ( وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ ) أَيْ : بِمَعُونَتِهِ أَوْ مَعَهُ ( مَنْ عَصَاكَ ) أَيْ : بِعَدَمِ الْإِيمَانِ بِكَ . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية