الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
اختيار هذا الخط
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
وحدثني عن مالك عن nindex.php?page=showalam&ids=17314يحيى بن سعيد أنه بلغه nindex.php?page=hadith&LINKID=707652أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول nindex.php?page=treesubj&link=31755_31759_33177اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني الدين وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك
[ ص: 43 ] 493 496 - ( مالك ، عن يحيى بن سعيد أنه بلغه ) قال أبو عمر : لم تختلف الرواة عن مالك في سنده ولا في متنه ، ورواه أبو شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن مسلم بن يسار ( أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان يدعو فيقول ) وهو مرسل ، فمسلم تابعي ( اللهم فالق الإصباح ) قال الباجي : أي خلقه وابتدأه وأظهره ( وجاعل الليل سكنا ) أي يسكن فيه ، قال الباجي : الجعل لغة الخلق والحكم والتسمية ، فإذا تعدى إلى مفعول واحد فهو بمعنى الخلق كقوله : ( nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=1وجعل الظلمات والنور ) ( سورة الأنعام : الآية 1 ) وإلى مفعولين فيكون بمعنى الحكم والتسمية نحو : ( nindex.php?page=tafseer&surano=43&ayano=19وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) ( سورة الزخرف : الآية 19 ) وبمعنى الخلق كقولهم : الحمد لله الذي جعلني مسلما .
فقوله ( وجاعل الليل سكنا ) يحتمل الوجهين ( والشمس والقمر حسبانا ) قال أبو عمر : أي حسابا أي بحساب معلوم ، وقد يكون جمع حساب كشهاب وشهبان ، وقال الباجي : أي يحسب بهما الأيام والشهور والأعوام ، قال تعالى : ( nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=5هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) ( سورة يونس : الآية 5 ) ( اقض عني الدين ) قال ابن عبد البر : الأظهر فيه ديون الناس ويدخل في ذلك ديون الله تعالى ، وفي الحديث : " nindex.php?page=hadith&LINKID=10352398دين الله أحق أن يقضى " . ( وأغنني من الفقر ) ; لأنه بئس الضجيع ، وهذا الفقر هو الذي لا يدرك معه القوت ، وقد أغناه الله تعالى كما قال : ( nindex.php?page=tafseer&surano=93&ayano=8ووجدك عائلا فأغنى ) ( سورة الضحى : الآية 8 ) ولم يكن غناه أكثر من اتخاذ قوت سنة لنفسه وعياله ، والغنى كله في قلبه ثقة بربه ، وقال : " nindex.php?page=hadith&LINKID=10352399nindex.php?page=treesubj&link=33177_30229اللهم ارزق آل محمد قوتا " . ولم يرد بهم إلا الأفضل . وقال : " nindex.php?page=hadith&LINKID=10352400ما قل وكفى خير مما كثر وألهى " . وكان يستعيذ من فقر مبئس وغنى مطغ ، ويستعيذ من فتنة الغنى والفقر ، وقال : " nindex.php?page=hadith&LINKID=10352268اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين ، ولا تجعلني جبارا شقيا " . والمسكين هنا المتواضع لا السائل ; لأنه كره السؤال ونهى عنه وحرمه على من يجد ما يغديه ويعشيه ، والآثار في هذا كثيرة ، وربما ظهر في بعضها تعارض ، وبهذا التأويل تتقارب معانيها ، فمن آتاه الله سعة وجب شكره عليها ، ومن ابتلي بالفقر وجب عليه الصبر ، إلا أن الفرائض تتوجه على الغني وهي ساقطة عن الفقير ، وللقيام بها فضل عظيم ، وللصبر على الفقر ثواب جسيم : ( nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=10إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ( سورة الزمر : الآية 10 ) وخير الأمور أوساطها أشار له أبو عمر . وقال أبو عبد الملك [ ص: 44 ] : قيل أراد فقر النفس ، وقيل الفقر من الحسنات ، وقيل الفقر من المال الذي يخشى على صاحبه إذا استولى عليه نسيان الفرائض وذكر الله ، وجاء في الأثر : اللهم إني أعوذ بك من فقر ينسيني وغنى يطغيني .
وهذا التأويل يدل على أن الكفاف أفضل من الفقر والغنى ; لأنهما بليتان يختبر الله بهما عباده .
( وأمتعني بسمعي ) لما فيه من التنعم بالذكر وسماع ما يسر ( وبصري ) لما فيه من رؤية مخلوقات الله والتدبر فيها وغير ذلك ، وفيه لغيره تلاوة القرآن في المصحف . ( و ) أمتعني بـ ( قوتي ) بفوقية قبل الياء الموحدة ، القوى ، ويروى : وقوني ، بنون بدل الفوقية ، قال ابن عبد البر : والأول أكثر عند الرواة ( في سبيلك ) قال الباجي : يحتمل أن يريد الجهاد ، وأن يريد جميع أعمال البر من تبليغ وغيرها فذلك كله سبيل الله .
وقد قال مالك : من قال مالي في سبيل الله ، سبل الله تعالى كثيرة ، ولكن يوضع في الغزو فخصه بالعرف . قال ابن عبد البر : ولا يعارض هذا ما جاء عن الله تعالى : " nindex.php?page=hadith&LINKID=10352401إذا أخذت كريمتي عبدي فصبر واحتسب لم يكن له جزاء إلا الجنة " ; لأن هذا من الفرائض والحض على الصبر بعد الوقوع ، فلا ينافي الدعاء بالإمتاع قبل وقوعه ; لأنه أقرب إلى الشكر ، قال مطرف بن الشخير : لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر .