الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ، ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَرْبَعَ نِعَمٍ مِنْ نِعَمِهِ عَلَى خَلْقِهِ ، مُبَيِّنًا لَهُمْ عَظِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِهَا : الْأُولَى : إِلْقَاؤُهُ الْجِبَالَ فِي الْأَرْضِ لِتَثْبُتَ وَلَا تَتَحَرَّكَ ، وَكَرَّرَ الِامْتِنَانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [ 78 \ 6 - 7 ] ، وَقَوْلِهِ : وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ الْآيَةَ [ 21 \ 31 ] ، وَقَوْلِهِ : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ [ 77 \ 27 ] ، وَقَوْلِهِ - جَلَّ وَعَلَا - : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ الْآيَةَ [ 31 \ 10 ] ، وَقَوْلِهِ : وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [ 79 \ 32 ] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَمَعْنَى تَمِيدُ : تَمِيلُ وَتَضْطَرِبُ . وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَنْ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدُهُمَا : كَرَاهَةُ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَعْنَى : لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ ; وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ . الثَّانِيَةُ : إِجْرَاؤُهُ الْأَنْهَارَ فِي الْأَرْضِ الْمَذْكُورُ هُنَا فِي قَوْلِهِ : وَأَنْهَارًا [ 16 \ 15 ] ، وَكَرَّرَ - تَعَالَى - فِي الْقُرْآنِ الِامْتِنَانَ بِتَفْجِيرِهِ الْمَاءَ فِي الْأَرْضِ لِخَلْقِهِ : كَقَوْلِهِ : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ الْآيَةَ [ 14 \ 32 - 33 ] ، وَقَوْلِهِ : أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [ 56 \ 68 - 70 ] ، وَقَوْلِهِ : وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ الْآيَةَ [ 36 \ 34 - 35 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ . الثَّالِثَةُ : جَعْلُهُ فِي الْأَرْضِ سُبُلًا يَسْلُكُهَا النَّاسُ ، وَيَسِيرُونَ فِيهَا مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ فِي طَلَبِ حَاجَاتِهِمُ الْمَذْكُورِ هُنَا فِي قَوْلِهِ : وَسُبُلًا ، وَهُوَ جَمْعُ سَبِيلٍ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ . وَكَرَّرَ الِامْتِنَانَ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ; كَقَوْلِهِ : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [ 21 \ 31 ] ، وَقَوْلِهِ : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا [ 71 \ 19 ] ، وَقَوْلِهِ : قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [ 20 \ 52 ، 53 ] . وَقَوْلِهِ : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا الْآيَةَ [ 67 \ 15 ] ، وَقَوْلِهِ : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ 43 \ 9 - 10 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ . الرَّابِعَةُ : جَعْلُهُ الْعَلَامَاتِ لِبَنِي آدَمَ ; لِيَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الْمَذْكُورِ هُنَا فِي قَوْلِهِ : وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [ 16 \ 16 ] ، وَقَدْ ذُكِرَ الِامْتِنَانُ بِنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الْآيَةَ [ 6 \ 97 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية