الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ . قَوْلُهُ : وَمَا [ 16 \ 13 ] ، فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، أَيْ : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ ، أَيْ : مَا خَلَقَ لَكُمْ فِيهَا فِي حَالِ كَوْنِهِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ . ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : امْتِنَانَهُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا سَخَّرَ لَهُمْ مِمَّا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ; مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّ خَلْقَهُ لِمَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ الْعِظَامِ ، فِيهِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ لِمَنْ يَذَّكَّرُ وَيَتَّعِظُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِأَنْ يُعْبَدُ وَحْدَهُ . وَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، كَقَوْلِهِ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا الْآيَةَ [ 2 \ 29 ] ، وَقَوْلِهِ : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ الْآيَةَ [ 45 \ 13 ] ، وَقَوْلِهِ : وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ 55 \ 10 - 13 ] ، وَقَوْله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [ 67 \ 15 ] . وَأَشَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِلَى أَنَّ اخْتِلَافَ أَلْوَانِ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمَا ، مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ وَحْدَهُ ، الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ . وَأَوْضَحَ هَذَا فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ فِي " سُورَةِ فَاطِرٍ " : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ [ 35 \ 27 ] ، وَقَوْلِهِ : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [ 30 \ 22 ] ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْوَانِ وَالْمَنَاظِرِ وَالْمَقَادِيرِ وَالْهَيْئَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ; فِيهِ الدَّلَالَةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ وَعَلَا - وَاحِدٌ ، لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ وَلَا شَرِيكَ ، وَأَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ . وَفِيهِ الدَّلَالَةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ تَأْثِيرٍ فَهُوَ بِقُدْرَةِ وَإِرَادَةِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ ، وَأَنَّ الطَّبِيعَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي شَيْءٍ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وَعَلَا - . كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ 13 \ 4 ] ، فَالْأَرْضُ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهَا الثِّمَارُ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ قِطَعَهَا مُتَجَاوِرَةٌ ، وَالْمَاءَ الَّذِي تُسْقَى بِهِ مَاءٌ وَاحِدٌ ، وَالثِّمَارُ تَخْرُجُ مُتَفَاضِلَةً ، مُخْتَلِفَةً فِي الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ وَالطُّعُومِ ، وَالْمَقَادِيرِ وَالْمَنَافِعِ . فَهَذَا أَعْظَمُ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ عَلَى وُجُودِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ كَيْفَ يَشَاءُ ، سُبْحَانَهُ - جَلَّ وَعَلَا - عَنِ الشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ . وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الطَّبِيعَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي شَيْءٍ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وَعَلَا - : أَنَّ النَّارَ مَعَ شِدَّةِ طَبِيعَةِ الْإِحْرَاقِ فِيهَا ; أُلْقِيُ فِيهَا الْحَطَبُ وَإِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَطَبَ أَصْلَبُ وَأَقْسَى وَأَقْوَى مِنْ جَلْدِ إِبْرَاهِيمَ وَلَحْمِهِ ، فَأَحْرَقَتِ الْحَطَبَ بِحَرِّهَا ، وَكَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بَرْدًا وَسَلَامًا ; لَمَّا قَالَ لَهَا خَالِقُهَا : قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [ 21 \ 69 ] ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقَعُ شَيْءٌ كَائِنًا مَا كَانَ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وَعَلَا - ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ . وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : يَذَّكَّرُونَ [ 16 \ 13 ] ، أَصْلُهُ : يَتَذَكَّرُونَ ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ . وَالِادِّكَارُ : الِاعْتِبَارُ وَالِاتِّعَاظُ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية