الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْمَبْحَثُ السَّابِعُ . مَوْضُوعُ الْأَرْبَعِينَ صَلَاةً ، وَهُوَ مِنْ جِهَةٍ خَاصٌّ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ، وَمِنْ جِهَةٍ عَامٌّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَلَكِنْ لَا بِأَرْبَعِينَ صَلَاةً بَلْ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا . أَمَّا مَا يَخُصُّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِي أَرْبَعِينَ صَلَاةً لَا تَفُوتُهُ صَلَاةٌ ; كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ وَنَجَاةٌ مِنَ الْعَذَابِ ، وَبَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ " . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ : رُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ . وَفِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ : " مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ ، يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى ، كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ : بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ " . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنَسٍ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ . وَقَالَ مُلَّا عَلِيٍّ الْقَارِّيِّ : مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِرِوَايَتَيْنِ : أَمَّا الْأُولَى : فَبِسَبَبِ نُبَيْطِ بْنِ عُمَرَ . وَأَمَّا الثَّانِيَةُ : فَمِنْ جِهَةِ الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ . وَقَدْ تَتَبَّعَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّدْقِيقِ فِي السَّنَدِ ، وَأَثْبَتَ صِحَّةَ الْأَوَّلِ ، وَحُكْمَ الرَّفْعِ لِلثَّانِي . وَقَدْ أَفْرَدَهُمَا الشَّيْخُ حَمَّادٌ الْأَنْصَارِيُّ بِرِسَالَةٍ رَدَّ فِيهَا عَلَى بَعْضِ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمَا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ . نُوجِزُ كَلَامَهُ فِي الْآتِي : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ فِي زَوَائِدِ الْأَرْبَعَةِ : نُبَيْطُ بْنُ عُمَرَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، فَاجْتَمَعَ عَلَى تَوْثِيقِ نُبَيْطٍ كُلٌّ مِنَ ابْنِ حِبَّانَ وَالْمُنْذِرِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ ، وَلَمْ يُجَرِّحْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ . فَمِنْ ثَمَّ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَطْعَنَ وَلَا أَنْ يُضَعِّفَ مَنْ وَثَّقَهُ أَئِمَّةٌ مُعْتَبَرُونَ ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ . وَكَفَى مَنْ ذَكَرُوا مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ قُدْوَةً . ذَلِكَ ; وَلَوْ فُرِضَ وَقُدِّرَ جَدَلًا أَنَّهُ فِي السَّنَدِ مَقَالٌ ، فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ لَا يَمْنَعُونَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ عَقِيدَةٌ ، بَلْ كَانَ بَابُ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ لَا يَمْنَعُونَ الْعَمَلَ بِهِ ; لِأَنَّ بَابَ الْفَضَائِلِ لَا يُشَدَّدُ فِيهِ هَذَا التَّشْدِيدَ . وَنَقَلَ السُّيُوطِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ . أَمَّا حَدِيثُ إِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ ، فَهَذَا أَعَمُّ مِنْ مَوْضُوعِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ ، وَكُلُّ أَسَانِيدِهِ ضَعِيفَةٌ ، وَلَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : يَنْدَرِجُ ضِمْنَ مَا يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَهَذَا الْحَثُّ عَلَى أَرْبَعِينَ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ، لَعَلَّهُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - مِنْ بَابِ التَّعَوُّدِ وَالتَّزَوُّدِ ، لِمَا يُكْسِبُهُ ذَلِكَ الْعَمَلُ مِنْ مُدَاوَمَةٍ ، وَحِرْصٍ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَاشْتِغَالِهِ الدَّائِمِ بِشَأْنِ الصَّلَاةِ وَحِرْصِهِ عَلَيْهَا ، حَتَّى لَا تَفُوتَهُ صَلَاةٌ مِمَّا يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بِالْمَسْجِدِ ، فَتُصْبِحُ الْجَمَاعَةُ لَهُ مَلَكَةً ، وَيُصْبِحُ مُرْتَاحًا لِارْتِيَادِ الْمَسْجِدِ ، وَحَرِيصًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فِي بَقِيَّةِ أَيَّامِهِ لَا تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ . فَلَوْ كَانَ زَائِرًا وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ رَجَعَ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ الْحَمِيدَةِ ، وَلَعَلَّ فِي مُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ بِأَلْفٍ تَكُونُ بِمَثَابَةِ الدَّوَاءِ الْمُكَثَّفِ الشَّدِيدِ الْفَعَالِيَةِ ، السَّرِيعِ الْفَائِدَةِ ، أَكْثَرَ مِمَّا جَاءَ فِي عَامَّةِ الْمَسَاجِدِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا تَفُوتُهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ ، إِذِ الْأَرْبَعُونَ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ تُعَادِلُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ، وَهِيَ تُعَادِلُ حَوَالَيْ صَلَوَاتِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً . وَلَوْ رَاعَيْنَا أَجْرَ الْجَمَاعَةِ : خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ، لَكَانَتْ تُعَادِلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ : خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً ، أَيْ : فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ لَا فِي الْعَدَدِ ، أَيْ : كَيْفًا لَا كَمًّا ، كَمَا قَدَّمْنَا . وَفَضْلُ اللَّهِ عَظِيمٌ . وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ هُوَ كَمَا أَسْلَفْنَا التَّعَوُّدُ وَالْحِرْصُ عَلَى الْجَمَاعَةِ . أَمَّا لَوْ رَجَعَ فَتَرَكَ الْجَمَاعَةَ وَتَهَاوَنَ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ ، عِيَاذًا بِاللَّهِ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ غَايَةَ النَّكْسَةِ . نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ صَلَاةً لَا عَلَاقَةَ لَهَا لَا بِالْحَجِّ وَلَا بِالزِّيَارَةِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي آدَابِ الزِّيَارَةِ فِي سُورَةِ " الْحُجُرَاتِ " . وَأَنَّ الزِّيَارَةَ تَتِمُّ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ، وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى صَاحِبَيْهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ - ، ثُمَّ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ بِالْخَيْرِ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ انْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَإِنْ شَاءَ جَلَسَ مَا تَيَسَّرَ لَهُ . وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية