الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ . وَهُوَ : هَلِ الْمُضَاعَفَةُ خَاصَّةٌ بِمَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي بَنَاهُ ، وَالَّذِي كَانَ مَوْجُودًا أَثْنَاءَ حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوْ أَنَّهَا تُوجَدُ فِيهِ وَفِيمَا دَخَلَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ مِنْ بَعْدِهِ . أَمَّا مَثَارُ الْبَحْثِ هُوَ مَا جَاءَ فِي نَصِّ الْحَدِيثِ اسْمُ الْإِشَارَةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : اسْمُ الْإِشَارَةِ مَوْضُوعٌ لِلتَّعْيِينِ ، وَقَالَ عُلَمَاءُ الْوَضْعِ : إِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ عَامٍّ لِمَوْضُوعٍ لَهُ خَاصٍّ ، فَيَخْتَصُّ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ بِمُفْرَدٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ ، وَهُوَ عَيْنُ مَا كَانَ مَوْجُودًا زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِشَارَةَ لَمْ تَتَنَاوَلِ الزِّيَادَةَ الَّتِي وُجِدَتْ بَعْدَ تِلْكَ الْإِشَارَةِ ، فَمِنْ هُنَا جَاءَ الْخِلَافُ وَالتَّسَاؤُلُ . وَقَدْ نَشَأَ هَذَا التَّسَاؤُلُ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ أَوَّلِ زِيَادَةٍ زَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ، فَرَأَى بَعْضَ الصَّحَابَةِ يَتَجَنَّبُونَ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَيَرْغَبُونَ فِي الْقَدِيمِ مِنْهَا ، فَقَالَ لَهُمْ : لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ تَوْسِعَةَ الْمَسْجِدِ لَمَا وَسَّعْتُهُ ، وَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوِ امْتَدَّ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ ، أَوْ وَلَوِ امْتَدَّ إِلَى صَنْعَاءَ ، فَهَذَا مَثَارُ الْبَحْثِ وَسَبَبُهُ . وَلَكِنْ لَوْ قِيلَ : إِنَّهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مَبْحَثٌ لُغَوِيٌّ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فِي مَسْجِدِي " ، بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْإِضَافَةُ تُفِيدُ التَّخْصِيصَ أَوِ التَّعْرِيفَ . وَفِيهِ مَعْنَى الْعُمُومِ وَالشُّمُولِ ، وَالْآنَ مَعَ الزِّيَادَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَعَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَلَيْهِ كَانَ تَصْرِيحُ عُمَرَ : إِنَّهُ لَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ : الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ بِمَا فِيهَا الزِّيَادَةُ ، وَنُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْمَسْجِدِ . الْأَوَّلُ : قَبْلَ الزِّيَادَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ . وَهَذَا الرُّجُوعُ مَوْجُودٌ فِي الْمَجْمُوعِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَعَلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ خِلَافٌ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونَ : وَقَفْتُ عَلَى كَلَامٍ لِمَالِكٍ ، سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَا أَرَاهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَشَارَ بِقَوْلِهِ : " فِي مَسْجِدِي هَذَا " إِلَّا لِمَا سَيَكُونُ مِنْ مَسْجِدٍ بَعْدَهُ ، وَأَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ قَدَّمْتُ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا زَادَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَغْبَتَهُ فِي الزِّيَادَةِ ، فَيَكُونُ تَأْيِيدًا لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَرُوِيَ أَيْضًا : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمًا وَهُوَ فِي مُصَلَّاهُ فِي الْمَسْجِدِ : " لَوْ زِدْنَا فِي مَسْجِدِنَا " ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ : " إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَزِيدَ فِي قِبْلَةِ مَسْجِدِنَا " ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ فِي حُسْبَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَمَعَ الرَّغْبَةِ فِي الزِّيَادَةِ لَمْ تَأْتِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ الْمُنْتَظَرَةِ ، وَلَا يُقَالُ : إِنَّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ ; لِأَنَّنَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رَتَّبَ أَحْكَامًا عَلَى أُمُورٍ لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ : كَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ الْمِصْرِيِّ وَالشَّامِيِّ وَالْعِرَاقِيِّ ، وَكَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " سَتُفْتَحُ الْيَمَنُ ، وَسَتُفْتَحُ الشَّامُ ، وَسَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ " ، وَمَعَ كُلٍّ مِنْهَا يَقُولُ : " سَيُؤْتَى بِأَقْوَامٍ يَبُسُّونَ هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ وَالسَّعَةِ فَيَحْمِلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " . وَقَالَ الْبَعْضُ : إِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فِي مَسْجِدِي هَذَا " لِدَفْعِ تَوَهُّمِ دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ هَذَا الْمَسْجِدِ ، لَا لِإِخْرَاجِ مَا سَيُزَادُ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ . قَالَهُ السَّمْهُودِيُّ . اهـ . وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَانَتْ هُنَاكَ عِدَّةُ مَسَاجِدَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الْمَسْجِدُ وَالْمُصَلَّى ، وَبَقِيَّةُ الْمَسَاجِدِ أُطْلِقَتْ عَلَيْهَا اصْطِلَاحًا . وَلِابْنِ تَيْمِيَةَ كَلَامٌ مُوجَزٌ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ فِي عَهْدَيْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . وَقَعَتْ زِيَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ قَامَ فِي الْقِبْلَةِ الْوَاقِعَةِ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ لَيْسَتْ لَهَا فَضِيلَةُ الْمَسْجِدِ ، إِذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صَلَاةُعُمَرَ وَعُثْمَانَ بِالنَّاسِ . وَصَلَاةُ النَّاسِ مَعَهُمْ فِي الصُّفُوفِ الْأُولَى فِي الْمَكَانِ الْمَفْضُولِ مَعَ تَرْكِ الْأَفْضَلِ . اهـ . وَمِنْ كُلِّ مَا قَدَّمْنَا يَتَّضِحُ أَنَّ : حُكْمَ الزِّيَادَةِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كَحُكْمِ الْأَصْلِ فِي مُضَاعَفَةِ الْأَجْرِ إِلَى الْأَلْفِ . وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مَا يُفِيدُ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فِي مَبْحَثِ الْأَرْبَعِينَ صَلَاةً ، وَصَلَاةُ النَّاسِ فِي الصَّفِّ خَارِجَ الْمَسْجِدِ . تَنْبِيهٌ . هَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا فِي الْكَيْفِ لَا فِي الْكَمِّ ، فَلَوْ أَنَّ عَلَى إِنْسَانٍ فَوَائِتَ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، وَصَلَّى صَلَاةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ ، لَنْ تُسْقِطَ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْفَوَائِتِ ، فَهِيَ فِي نَظَرِي بِمَثَابَةِ ثَوْبٍ وَثَوْبٍ آخَرَ أَحَدُهُمَا قِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَالْآخَرُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا ثَوْبٌ فِي مُهِمَّتِهِ ، وَلَنْ يَلْبَسَهُ أَكْثَرُ مِنْ شَخْصٍ فِي وَقْتٍ مَهْمَا كَانَ ثَمَنُهُ . وَكَذَلِكَ كَالْقَلَمِ وَالْقَلَمِ ، فَمَهْمَا غَلَا ثَمَنُ الْقَلَمِ ، فَلَنْ يَكْتُبَ بِهِ شَخْصَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . تَنْبِيهٌ آخَرُ . مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ لِلْمَسْجِدِ الْأَسَاسِيِّ خَصَائِصَ لَمْ تُوجَدْ فِي بَقِيَّةِ الْمَسْجِدِ : كَالرَّوْضَةِ مِنَ الْجَنَّةِ . وَالْمِنْبَرِ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ ، بَعْضِ السَّوَارِي ذَاتِ التَّارِيخِ . وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ : إِذَا كَانَ الشَّخْصُ سَيُصَلِّي مُنْفَرِدًا أَوْ نَفْلًا ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ فِي الرَّوْضَةِ وَإِلَّا فَفِي الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ ، وَإِذَا كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى الصَّفَّ الْأَوَّلَ ، وَإِلَّا فَفِي أَيِّ مَكَانٍ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَهَذَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية