الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ مَبْحَثٍ أُصُولِيٍّ ، وَهُوَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ وَأَصَحُّ مَا فِيهِ أَنَّهُ يُرَدُّ الْأَمْرُ الْمَحْظُورُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الْحَظْرِ عَلَيْهِ . مَسْأَلَةٌ وَقْتُ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ، أَنَّ السَّعْيَ يَكُونُ بَعْدَ النِّدَاءِ ، وَعِنْدَ تَرْكِ الْبَيْعِ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ قَبْلَ النِّدَاءِ لَا يَلْزَمُ السَّعْيُ وَلَا تَرْكُ الْبَيْعِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنَ النَّصِّ ، وَلَكِنْ جَاءَتْ نُصُوصٌ لِلْحَثِّ عَلَى الْبُكُورِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ بَكَّرَ ، وَابْتَكَرَ ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ، وَصَلَّى مَا تَيَسَّرَ لَهُ " . الْحَدِيثَ . وَحَدِيثُ : " مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى " إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، فَكَانَ الْبُكُورُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ ، وَلَكِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ فِي مَبْدَأِ الْبُكُورِ ، وَمَعْنَى السَّاعَةِ الْأُولَى أَيِّ سَاعَةٍ لُغَوِيَّةٍ أَوْ زَمَنِيَّةٍ ، وَهَلْ هِيَ الْأُولَى مِنَ النَّهَارِ أَوِ الْأُولَى بَعْدَ الْأَذَانِ ؟ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِنَّ السَّاعَةَ لُغَوِيَّةٌ ، وَهِيَ الْأُولَى بَعْدَ الْأَذَانِ ، إِذْ لَا يَجِبُ السَّعْيُ إِلَّا بَعْدَهُ وَقَبْلَهُ لَا تَكْلِيفَ بِهِ . وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ السَّاعَةَ عَلَى السَّاعَةِ الزَّمَنِيَّةِ ، وَأَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأُولَى مِنَ النَّهَارِ ، وَالرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِعِدَّةِ أُمُورٍ : أَوَّلًا : فِي لَفْظِ حَدِيثِ الْبُكُورِ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْبُكُورِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَوَّلِ النَّهَارِ ، وَلَا يُقَالُ لِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ بُكُورٌ ، بَلْ يُسَمَّى عَشِيًّا ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ 19 \ 11 ] وَتَكْرَارُ بَكَّرَ ، وَابْتَكَرَ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ وَأَوَائِلِهِ ، وَكَذَلِكَ لَفْظَةُ : " مَنْ رَاحَ " لِأَنَّ الرَّوَاحَ لِأَوَّلِ النَّهَارِ . ثَانِيًا فِي الْحَدِيثِ : " وَصَلَّى مَا تَيَسَّرَ " ، لَهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنْ هُنَاكَ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلصَّلَاةِ بِقَدْرِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ . أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، فَلَا مُتَّسَعَ لِصَلَاةٍ بَعْدَ النِّدَاءِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَذَانٌ وَاحِدٌ ، وَبَعْدَ النِّدَاءِ فَلَا مُتَّسَعَ لِلصَّلَاةِ . ثَالِثًا : مَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَثَمَانِيَ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَكُونُ مَعَ السَّاعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ ، وَمَا جَاءَ عِنْدَ النَّيْسَابُورِيِّ مِنْ قَوْلِهِ فِي تَفْسِيرِهِ : وَكَانَتِ الطُّرُقَاتُ فِي أَيَّامِ السَّلَفِ وَقْتَ السَّحَرِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ غَاصَّةً بِالْمُبَكِّرِينَ إِلَى الْجُمُعَةِ يَمْشُونَ بِالسُّرُجِ . وَقِيلَ : أَوَّلُ بِدْعَةٍ أُحْدِثَتْ فِي الْإِسْلَامِ تَرْكُ الْبُكُورِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، هُوَ أَنَّ زَمَنَ السَّعْيِ لَهُ جِهَتَانِ : جِهَةُ وُجُوبٍ وَإِلْزَامٍ ، وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَحَلُّهُ بَعِيدًا ، بِحَيْثُ لَوِ انْتَظَرَ حَتَّى يُنَادَى لَهَا لَا يُدْرِكُهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَيْهَا قَبْلَ النِّدَاءِ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أداءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِلَّا بِذَلِكَ . وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَهَذَا مَخْصُوصٌ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ . الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ : جِهَةُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ ، وَهَذَا لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَنٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ ظُرُوفِ الشَّخْصِ ، فَمَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْبُكُورِ ، وَلَمْ يَتَعَطَّلْ بِبُكُورِهِ مَا هُوَ أَلْزَمُ مِنْهُ ، فَيُنْدَبُ لَهُ الْبُكُورُ ، وَبِحَسَبِ مَا يَكُونُ بُكُورُهُ فِي السَّاعَاتِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ يَكُونُ مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَمْرَانِ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَإِذَا حَضَرَ الْإِمَامُ طَوَتِ الصُّحُفَ وَجَلَسُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ، فَكِتَابَةُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ ، تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْأَوَّلِيَّةِ قَبْلَ النِّدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ . الْأَمْرُ الثَّانِي : أَنَّنَا وَجَدْنَا لِكُلِّ وَاجِبٍ مَنْدُوبًا وَالسَّعْيُ إِلَى الْجُمُعَةِ عِنْدَ النِّدَاءِ وَاجِبٌ ، فَيَكُونُ لَهُ مَنْدُوبٌ وَهُوَ السَّعْيُ قَبْلَ النِّدَاءِ ، فَكَمَا لِلصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ ، فَكَذَلِكَ لِلسَّعْيِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ ، فَوَاجِبُهُ بَعْدَ النِّدَاءِ ، وَمَنْدُوبُهُ قَبْلَهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية