الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      مَسْأَلَةٌ مَنِ الْمُخَاطَبُ بِالسَّعْيِ هُنَا ؟ ، أَيْ : مَنِ الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ ؟ تَسْتَهِلُّ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، وَهُوَ نِدَاءٌ عَامٌّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ذَكَرٍ ، وَأُنْثَى ، وَحُرٍّ ، وَعَبْدٍ صَحِيحٍ وَمَرِيضٍ ، فَشَمَلَ كُلَّ مُكَلَّفٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَاسْعَوْا ) الْوَاوُ فِيهِ لِلْجَمْعِ ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُذَكَّرِ إِلَّا أَنَّهَا عَائِدَةٌ إِلَى الْمَوْصُولِ السَّابِقِ وَهُوَ عَامٌّ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَيَكُونُ طَلَبُ السَّعْيِ مُتَوَجِّهًا إِلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الدَّلِيلُ . وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّلِيلُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ أَصْنَافًا ، مِنْهَا : الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ . فَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : مَا أَخْرَجَ مِنْ عُمُومِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ كَالصَّغِيرِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ لِحَدِيثِ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ " . وَمَا خَرَجَ مِنْ خُصُوصِ الْجُمُعَةِ ، كَالْمَرْأَةِ إِجْمَاعًا فَلَا جُمُعَةَ عَلَى النِّسَاءِ ، وَكَالْمَرِيضِ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَذَلِكَ . وَهُوَ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ يَزِيدُ مَرَضُهُ ، وَمَنْ يُمَرِّضُهُ تَابِعٌ لَهُ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُسَافِرِ وَالْمَمْلُوكِ ، وَمَنْ فِي حُكْمِ الْمُسَافِرِ وَهُمْ أَهْلُ الْبَوَادِي . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خِطَابٌ لِلْمُكَلَّفِينَ بِإِجْمَاعٍ وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَرْضَى ، وَالزَّمْنَى ، وَالْعَبِيدُ ، وَالنِّسَاءُ بِالدَّلِيلِ ، وَالْعُمْيَانُ ، وَالشَّيْخُ الَّذِي لَا يَمْشِي إِلَّا بِقَائِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ . رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا مَرِيضًا ، أَوْ مُسَافِرًا ، أَوِ امْرَأَةً ، أَوْ صَبِيًّا ، أَوْ مَمْلُوكًا ، فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ ، أَوْ تِجَارَةٍ ، اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ " ، خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . اهـ . وَيَشْهَدُ لِمَا رَوَاهُ الْقُرْطُبِيُّ مَا رَوَاهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً : مَمْلُوكًا ، وَامْرَأَةً ، وَصَبِيًّا ، وَمَرِيضًا " ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَقَالَ : طَارِقٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى . اهـ . قَالَ الصَّنْعَانِيُّ : يُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا ، أَيْ بِرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ أَصْبَحَ مُتَّصِلًا . قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَابْنِ عُمَرَ وَمَوْلًى لِابْنِ الزُّبَيْرِ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَنَاقَشَ سَنَدَهُ . وَقَالَ : وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " خَمْسَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ : الْمَرْأَةُ ، وَالْمُسَافِرُ ، وَالْعَبْدُ ، وَالصَّبِيُّ ، وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ " . اهـ . وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى حَدِيثَ طَارِقٍ كَمَا سَاقَهُ صَاحِبُ الْبُلُوغِ ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِيهِ : قَالَ الْحَافِظُ : وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ ، وَذَكَرَ صُحْبَةَ طَارِقٍ ، وَنَقَلَ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّ ، فَإِذَا ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، إِنَّمَا خَالَفَ فِيهِ أَبُو إِسْحَاقَ الِاسْفِرَائِينِيُّ ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُ الْأَحْنَافِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ . اهـ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : عَلَى أَنَّهُ قَدِ انْدَفَعَ الْإِعْلَالُ بِالْإِرْسَالِ بِمَا فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ ذِكْرِ أَبِي مُوسَى إِلَى آخِرِهِ ، أَيْ صَارَ مَوْصُولًا ، كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ سَابِقًا . وَوَجْهُ حُجِّيَّةِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُمْ ، هُوَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَرْسَلَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسِطَةٌ وَتِلْكَ الْوَاسِطَةُ هِيَ صَحَابِيٌّ آخَرُ وَالصَّحَابِيُّ ثِقَةٌ ، فَتَكُونُ الْوَاسِطَةُ السَّاقِطَةُ ثِقَةً ، فَيَصِحُّ الْحَدِيثُ ، وَلِذَا ادَّعَى بَعْضُ الْأَحْنَافِ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ لِهَذَا السَّبَبِ ، وَعَلَى هَذَا مُنَاقَشَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَبِالتَّأَمُّلِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَعُمُومِ السِّيَاقِ يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِهِ شَهَادَةُ الْقُرْآنِ ، إِلَى صِحَّةِ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْإِيمَاءِ . أَمَّا عَنِ النِّسَاءِ فَفِيهِ الْإِجْمَاعُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَتَرْكِ الْبَيْعِ مِنْ أَجْلِهَا ، ثُمَّ الِانْتِشَارِ بَعْدَهَا فِي الْأَرْضِ وَالِابْتِغَاءِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ لِلرِّجَالِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلُّهَا فِي بَيْتِهَا ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [ 33 \ 33 ] . وَتَقَدَّمَ لِفَضِيلَةِ وَالِدِنَا الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مَبْحَثٌ مُفَصَّلٌ اسْتَدَلَّ بِدَلِيلٍ قُرْآنِيٍّ عَلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنِ النِّسَاءِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ [ 24 \ 36 - 37 ] . وَبَيَّنَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مَفْهُومَ ( رِجَالٌ ) هَلْ هُوَ مَفْهُومُ صِفَةٍ أَوْ مَفْهُومُ لَقَبٍ ، وَسَاقَ عَلَاقَةِ النِّسَاءِ بِالْمَسَاجِدِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا . أَمَّا الْمَمْلُوكُ فَمِمَّا يَسْتَأْنِي لَهُ أَيْضًا مِنَ السِّيَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَذَرُوا الْبَيْعَ ، إِذِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ ابْتِدَاءٌ لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعَبِيدِ إِلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ . وَقَوْلُهُ : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَنْتَشِرُ فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ فَلَيْسَ مُشْتَغِلًا بِبَيْعٍ وَلَا مَحَلِّ اشْتِغَالٍ بِهِ ، وَهُوَ مُنْتَشِرٌ فِي الْأَرْضِ بِسَفَرِهِ وَسَفَرُهُ شَاغِلٌ لَهُ ، وَبِسَفَرِهِ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَيَجْمَعُهَا . وَقَدْ حَكَى الشَّوْكَانِيُّ الِاتِّفَاقَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنِ الْمَمْلُوكِ إِلَّا دَاوُدَ ، وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ إِذَا كَانَ سَائِرًا ، أَمَّا إِذَا كَانَ نَازِلًا ، فَخَالَفَ فِيهِ دَاوُدُ أَيْضًا . وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنِ الْمُسَافِرِ وَقْتَ نُزُولِهِ مَا وَقَعَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، إِذْ كَانَتِ الْوَقْفَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَازِلًا وَلَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَجْهَرْ بِالْقِرَاءَةِ ، وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَقَالَ : غَايَةُ مَا فِيهِ تَرْكُ الْجَهْرِ فِي الْجَهْرِيَّةِ ، وَهَذَا لَا يُبْطِلُهَا ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : لَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " . وَالصَّلَاةُ أَثْنَاءَ الْحَجِّ مِمَّا يُؤْخَذُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْجَمْعِ تَقْدِيمًا فِي عَرَفَةَ ، وَتَأْخِيرًا فِي مُزْدَلِفَةَ ، وَلَا يَتَأَتَّى أَنْ يُتْرَكَ الْجَهْرُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَهُوَ أَقَلُّ مَا فِيهِ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَيَأْمُرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ عَنْهُ . وَمِنْ هَذَا كُلِّهِ صَحَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَى مَمْلُوكٍ وَلَا مُسَافِرٍ ، كَمَا لَا جُمُعَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِحُضُورِ الْجُمُعَةِ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ دُونَ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَيُعْذَرُ الْمُسَافِرُ ، وَالْمَرِيضُ ، وَيُتِمُّ الْمَرِيضُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ . أَمَّا سُقُوطُهَا عَنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ ، فَهُوَ قَوْلٌ لِلْجُمْهُورِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَحْقِيقِ الْمُنَاطِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمِصْرِ وَالْقَرْيَةِ ، وَالْبَادِيَةِ ، وَبِالرُّجُوعِ إِلَى أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ نَجِدُ الْخِلَافَ الْآتِي أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ فِي مَكَانِ الْجُمُعَةِ . أَوَّلًا : عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي الْهِدَايَةِ مَا نَصُّهُ : لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ أَوْ فِي مُصَلَّى الْمِصْرِ ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْقَرْيَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا جُمُعَةَ ، وَلَا تَشْرِيقَ ، وَلَا فِطْرَ ، وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ " . وَفَسَّرَ الشَّارِحُ ابْنُ الْهُمَامِ الْمِصْرَ بِقَوْلِهِ : وَالْمِصْرُ الْجَامِعُ كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ ، وَنَاقَشَ الْأَثَرَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ قَائِلًا : رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا جُمُعَةَ ، وَلَا تَشْرِيقَ ، وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ أَوْ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ ، صَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَا تَشْرِيقَ ، وَلَا جُمُعَةَ ، إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ . اهـ . وَذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ الْقُرْطُبِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ فِي مَتْنِ خَلِيلٍ فِي فَصْلِ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ مَا نَصُّهُ : بِاسْتِيطَانِ بَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ لَا خِيَمٍ . وَفَسَّرَ الشَّارِحُ الِاسْتِيطَانَ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّأْبِيدِ ، وَلَا تَكْفِي نِيَّةُ الْإِقَامَةِ وَلَوْ طَالَتْ ، وَجَاءَ فِي الْمَتْنِ بَعْدَهَا قَوْلُهُ : وَلَزِمَتِ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ بِلَا عُذْرٍ الْمُتَوَطِّنَ . وَقَالَ الشَّارِحُ عَلَى كَلِمَةِ مُتَوَطِّنًا : هُوَ أَيْضًا مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ ، يَعْنِي : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهَا الِاسْتِيطَانُ بِبَلَدٍ يُتَوَطَّنُ فِيهِ وَيَكُونُ مَحَلًّا لِلْإِقَامَةِ يُمْكِنُ الشِّرَاءُ فِيهِ ، وَإِنْ بَعُدَتْ دَارُهُ مِنَ الْمَنَارَةِ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ ، وَلَوْ عَلَى خَمْسَةِ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٍ إِجْمَاعًا ، لَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ ، وَلَا مُقِيمٍ وَلَوْ نَوَى إِقَامَةً زَمَنًا طَوِيلًا إِلَّا تَبَعًا . اهـ . أَيْ تَبَعًا لِغَيْرِهِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَالَ فِي الْمُهَذَّبِ مَا نَصُّهُ : وَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إِلَّا فِي أَبْنِيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ مِنْ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَقُمْ جُمُعَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي أَيَّامِ الْخُلَفَاءِ إِلَّا فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهَا أُقِيمَتْ فِي بَدْوٍ ، فَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَى خَارِجِ الْبَلَدِ فَصَلَّوُا الْجُمُعَةَ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَطَنٍ فَلَمْ تَصِحَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ كَالْبَدْوِ ، وَإِنِ انْهَدَمَ الْبَلَدُ فَأَقَامَ أَهْلُهُ عَلَى عِمَارَتِهِ ، فَحَضَرَتِ الْجُمُعَةُ لَزِمَهُمْ إِقَامَتُهَا ; لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِيطَانِ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الشَّرْحِ مَا نَصُّهُ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَنْ تُقَامَ فِي أَبْنِيَةٍ مُجْتَمِعَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا شِتَاءً وَصَيْفًا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : سَوَاءٌ كَانَ الْبِنَاءُ مِنْ أَحْجَارٍ ، أَوْ أَخْشَابٍ ، أَوْ طِينٍ ، أَوْ قَصَبٍ ، أَوْ سَعَفٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الْبِلَادُ الْكِبَارُ ذَوَاتُ الْأَسْوَاقِ وَالْقُرَى الصِّغَارُ ، وَالْأَسْرَابُ الْمُتَّخَذَةُ وَطَنًا ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَبْنِيَةُ مُتَفَرِّقَةً لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ قَرْيَةً وَيُرْجَعُ فِي الِاجْتِمَاعِ وَالتَّفَرُّقِ إِلَى الْعُرْفِ . وَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ فَإِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَوْضِعِهِمْ شِتَاءً وَصَيْفًا وَهِيَ مُجْتَمِعَةٌ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَقَوْلَانِ ، ثُمَّ قَالَ : أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ بِقَوْلِهِ لِحَدِيثِ : " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " ، وَلَمْ يُصَلِّ هَكَذَا . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَالَ فِي الْمُغْنِي ، مَا نَصُّهُ : فَصْلٌ : فَأَمَّا الِاسْتِيطَانُ فَهُوَ شَرْطٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ الِاسْتِيطَانُ فِي قَرْيَةٍ عَلَى الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا صَيْفًا وَلَا شِتَاءً ، وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ ، وَلَا عَلَى مُقِيمٍ فِي قَرْيَةٍ يَظْعَنُ أَهْلُهَا عَنْهَا فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ ، أَوْ فِي بَعْضِ السَّنَةِ . فَإِنْ خَرِبَتِ الْقَرْيَةُ أَوْ بَعْضُهَا وَأَهْلُهَا مُقِيمُونَ فِيهَا عَازِمُونَ عَلَى إِصْلَاحِهَا فَحُكْمُهَا بَاقٍ فِي إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِهَا وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى النُّقْلَةِ عَنْهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ . هَذِهِ خُلَاصَةُ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَطَنِ وَالِاسْتِيطَانِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي صِفَةِ الْوَطَنِ مِنْ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مَبْنِيَّةٍ بِحَجَرٍ أَوْ طِينٍ ، أَوْ أَخْشَابٍ ، أَوْ خِيَامٍ ثَابِتَةٍ صَيْفًا وَشِتَاءٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقَدِ انْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَعَهُ صَاحِبُهُ أَبُو يُوسُفَ بِاشْتِرَاطِ وُجُودِ الْأَمِيرِ وَالْقَاضِي الَّذِي يُقِيمُ الْحُدُودَ احْتِرَازًا مِنَ الْقَاضِي الَّذِي لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ ، كَقَاضِي السُّوقِ ، أَوْ إِذَا كَانَ مَنْ يَلِي الْقَضَاءَ امْرَأَةً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ لَا تَقْضِي فِي الْحُدُودِ لِعَدَمِ جَوَازِ شَهَادَتِهَا فِيهَا ، وَاكْتَفَى الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ بِمُطْلَقِ الِاسْتِيطَانِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاسْتِيطَانَ يَسْتَلْزِمُ الْإِمَارَةَ شَرْعًا وَعَقْلًا . أَمَّا شَرْعًا ، فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُؤَمِّرُونَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ " . وَعَقْلًا ، فَإِنَّ مُسْتَوْطِنِينَ لَا تَسْلَمُ أَحْوَالُهُمْ مِنْ خِلَافَاتٍ ، وَمُشَاحَّةٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ شَخْصٍ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَمِيرِ الْمَطْلُوبِ ، كَمَا أَنَّ الِاسْتِيطَانَ يَسْتَلْزِمُ السُّوقَ لِحَوَائِجِهِمْ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عُرْفًا . وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ يُقَالُ لَهَا جُوَاثَى ، وَبِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ جَمَّعَ بِهِمْ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَجِئِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَزْمٍ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ يُقَالُ لَهُ : نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ ، مِمَّا لَا يَسْتَلْزِمُ الْمِصْرَ الَّذِي اشْتَرَطَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَأَجَابَ الْأَحْنَافُ عَنْ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِعْلِ أَبِي أُمَامَةَ ، وَقَالُوا : إِنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ سَمَاعٍ ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ بِإِنْفَاقِ الْأُمَّةِ ، إِذْ لَا يَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْبَرَارِي إِجْمَاعًا ، وَلَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بَلْ يُشْتَرَطُ أَلَّا يَظْعَنَ أَهْلُهَا عَنْهَا صَيْفًا وَلَا شِتَاءً ، فَكَانَ خُصُوصُ الْمَكَانِ مُرَادًا فِيهَا إِجْمَاعًا ، فَقَدَّرَ الْقَرْيَةَ مَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهَا الْقَرْيَةُ الْخَاصَّةُ ، وَقَدَّرَ الْأَحْنَافُ الْمِصْرَ وَقَالُوا : هُوَ أَوْلَى لِنَصِّ حَدِيثِ عَلِيٍّ : " إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ " ، وَقَالُوا : إِنَّ إِقَامَتَهَا فِي قَرْيَةِ جُوَاثَى غَايَةُ مَا فِيهِ تَسْمِيَةُ جُوَاثَا قَرْيَةً ، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ هِيَ عُرْفُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ لُغَةُ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ 43 \ 31 ] أَيْ : مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ، وَمَكَّةُ بِلَا شَكٍّ مِصْرٌ ، وَفِي الصِّحَاحِ أَنَّ جُواثَا حِصْنٌ بِالْبَحْرَيْنِ ، فَهِيَ مِصْرٌ إِذِ الْحِصْنُ لَا يَخْلُو عَنْ حَاكِمٍ عَلَيْهِمْ وَعَالِمٍ ، أَمَّا صَلَاةُ أَبِي أُمَامَةَ فَلَمْ تَكُنْ عَنْ عِلْمٍ وَلَا تَقْرِيرٍ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا كَانَتْ شُرِعَتِ الْجُمُعَةُ آنَذَاكَ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ . وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ : أَنَّ رَأْيَ الْجُمْهُورِ أَرْجَحُ . وَيَتَمَشَّى مَعَ قَوَاعِدِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّ الْأَحْنَافَ يَتَّفِقُونَ مَعَ الْجُمْهُورِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمِصْرِ قَرْيَةً كَتَسْمِيَةِ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ قُرًى . وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ : مَكَّةُ : أُمَّ الْقُرَى [ 6 \ 92 ] ، فَالْقَرْيَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمِصْرِ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تَقْدِيمُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ : " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعَشْرُ " ، فَقَدَّمَهُ عَلَى حَدِيثِ : " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ " ، وَمِنْ هَذَا كُلِّهِ يَتَّضِحُ أَنَّ الِاسْتِيطَانَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، فَلَا تَصِحُّ فِي غَيْرِ وَطَنٍ ، وَلَا تَلْزَمُ غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ ، وَمَنْ قَالَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ الْأَئِمَّةَ ، وَشَذَّ عَنِ الْأُمَّةِ ، وَلَيْسَ لَهُ سَلَفٌ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَالَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ يَشْهَدُ لَهُ سِيَاقُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ ; لِأَنَّنَا لَوْ أَخَذْنَا بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ الْأَمْرَ بِالسَّعْيِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، وَتَرْكِ الْبَيْعِ حَتَّى لَا يَشْغَلَ عَنْهَا ، ثُمَّ الِانْتِشَارِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ قَضَائِهَا ; لَتَحَصَّلَ عِنْدَنَا مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ هُنَاكَ جَمَاعَةً نُودِيَتْ وَكُلِّفَتْ بِاسْتِجَابَةِ النِّدَاءِ وَالسَّعْيِ ، ثُمَّ الْكَفِّ عَنِ الْبَيْعِ الَّذِي يَشْغَلُ عَنِ السَّعْيِ ، وَمِثْلُ هَذَا الْبَيْعِ الَّذِي يُكَلَّفُونَ بِالْكَفِّ عَنْهُ وَالَّذِي يُخْشَى مِنْهُ شَغْلُ النَّاسِ عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ لَا يَكُونُ عَقْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَطْ ، وَلَا يَكُونُ عَمَلًا فَرْدِيًّا بَلْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عَمَلٌ بَيْنَ أَفْرَادٍ عَدِيدِينَ وَمُبَايَعَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِمَّا يُشَكِّلُ حَالَةَ السُّوقِ ، وَالسُّوقُ لَا يَكُونُ فِي الْبَوَادِي بَلْ فِي الْقُرَى وَلِلْمُسْتَوْطِنِينَ . وَالْعَادَةُ أَنَّ أَهْلَ الْبَوَادِي يَنْزِلُونَ إِلَى الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ ; لِلتَّزَوُّدِ مِنْ أَسْوَاقِهَا ، وَإِذَا وُجِدَ السُّوقُ ، وَوُجِدَتِ الْجَمَاعَةُ ، اقْتَضَى ذَلِكَ وُجُودَ الْحَاكِمِ لِاحْتِمَالِ الْمُشَاحَّةِ وَالْمُنَازَعَاتِ ، كَمَا تَقَدَّمَ اسْتِلْزَامُ ذَلِكَ شَرْعًا وَعَقْلًا ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ ; لِأَنَّ مَادَّةَ الِانْتِشَارِ لَا تُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَلَا الِاثْنَيْنِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ : " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " ، وَمِنْهُ انْتِشَارُ الْخَبَرِ لَا يَصْدُقُ عَلَى مَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، إِذَا كَانُوا يَتَكَتَّمُونَ ، فَإِذَا اسْتَفَاضَ وَكَثُرَ مَنْ يَعْرِفُهُ ، قِيلَ لَهُ : انْتَشَرَ الْخَبَرُ . قَالَ صَاحِبُ مُعْجَمِ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ فِي مَادَّةِ نَشَرَ : النُّونُ وَالشِّينُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى فَتْحِ شَيْءٍ وَتَشَعُّبِهِ ، فَقَوْلُهُ : وَتَشَعُّبُهُ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ . وَقَالَ يُقَالُ : اكْتَسَى الْبَازِي رِيشًا نَشْرًا ، أَيْ : مُنْتَشِرًا وَاسِعًا طَوِيلًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رِيشَ الْبَازِي كَثِيرٌ ، وَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَتَأَتَّى مَنْ نَفَرٍ قَلَائِلَ فِي بَادِيَةٍ ، بَلْ لَا يَتَأَتَّى تَحَقُّقُهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْمُسْتَوْطِنِينَ . وَلَعَلَّنَا فِي هَذَا قَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ خَاصَّةً لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إِنَّ الْجُمُعَةَ كَالْجَمَاعَةِ تَصِحُّ مِنْ أَيِّ عَدَدٍ فِي أَيِّ مَكَانٍ عَلَى أَيَّةِ حَالَةٍ كَانُوا ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْوَاقِعِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ سَلَفٌ ، وَخَالَفُوا بِهِ السَّلَفَ وَالْخَلَفَ ، مَعَ مَا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ هَدْمِ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ فِي إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ ، حَيْثُ إِنَّنَا وَجَدْنَا حِكْمَةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْعَدَدِ الْقَلِيلِ ، وَلِأَهْلِ كُلِّ مَسْجِدٍ فِي كُلِّ ضَاحِيَةٍ . ثُمَّ نَأَتِ الْجُمُعَةُ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَالْمِصْرِ ، وَمَنْ فِي ضَوَاحِيهَا عَلَى بُعْدِ خَمْسَةِ أَوْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ ، كَمَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ ، وَكَمَا كَانَ السَّلَفُ يَأْتُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا فِيهِ مِنْ تَجَمُّعٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى نِطَاقٍ أَوْسَعَ مِنْ نِطَاقِ الْجَمَاعَةِ . ثُمَّ يَأْتِي الْعِيدُ وَهُوَ عَلَى نِطَاقٍ أَوْسَعَ فَيَشْمَلُ حَتَّى النِّسَاءُ يَحْضُرْنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، ثُمَّ يَأْتِي الْحَجُّ يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، وَلَعَلَّ مِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ ، مَا جَاءَ فِي اجْتِمَاعِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ ، إِذْ خَيَّرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ النُّزُولِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَ بَيْنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْعِيدِ أَيْ : أَهْلِ الضَّوَاحِي . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ سَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ ، فَلَوْ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ مِنْهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ وَضَوَاحِيهِمْ ; لَأَرْشَدَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَأَعْفَاهُمْ مِنَ النُّزُولِ سَوَاءٌ فِي يَوْمِ الْعِيدِ الَّذِي يَكُونُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَوْ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ يَوْمِ الْعِيدِ ، بَلْ كَانُوا يَنْزِلُونَ مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية