الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      حُكْمُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . فِيهِ الْأَمْرُ بِالسَّعْيِ إِذَا نُودِيَ إِلَيْهَا ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ صَارِفٌ ، وَلَا صَارِفَ لَهُ هُنَا ، فَكَانَ يَكْفِي حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِهَا ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُمَا ، وَنَقَلَهُ الشَّوْكَانِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، وَلَكِنْ وُجِدَ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً ، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ فِي الْآيَةِ صَارِفًا لِلْأَمْرِ عَنِ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي آخِرِ السِّيَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ فَقَالُوا : إِنَّ الْأَمْرَ لِتَحْصِيلِ الْخَيْرِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَتْبَاعِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مَا يُوهِمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ ، وَهُوَ مُسَطَّرٌ فِي كُتُبِهِمْ ، مِمَّا قَدْ يَغْتَرُّ بِهِ بَعْضُ الْبُسَطَاءِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ ضَعْفِ الْوَازِعِ وَكَثْرَةِ الشَّاغِلِ فِي هَذِهِ الْآوِنَةِ ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ إِيرَادَهُ وَبَيَانَ رَدِّهِ مِنْ أَقْوَالِ أَصْحَابِهِمْ وَأَئِمَّتِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا . فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حِكَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ شُهُودَهَا سُنَّةٌ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهَا الْخِلَافُ هَلْ هِيَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ؟ وَعِنْدَ الْأَحْنَافِ قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَقَدْ نُسِبَ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ . وَكُلُّهَا أَقْوَالٌ مَرْدُودَةٌ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَصْحَابِهِمْ وَأَئِمَّةِ مَذَاهِبِهِمْ ، فَلَزِمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا ، وَبَيَانُ الْحَقِّ فِيهَا مِنْ كُتُبِهِمْ ، وَمِنْ كَلَامِ أَصْحَابِهِمْ ، وَإِلَيْكَ بَيَانُ ذَلِكَ : أَمَّا مَا نُسِبَ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَرَدَّهُ بِقَوْلِهِ : وَحَكَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ شُهُودَهَا سُنَّةٌ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بِتَأْوِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ مَالِكًا يُطْلِقُ السُّنَّةَ عَلَى الْفَرْضِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ سُنَّةً عَلَى صِفَتِهَا لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ ، حَسَبَ مَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : عَزِيمَةُ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ . ا هـ . نَقْلًا مِنْ نَيْلِ الْأَوْطَارِ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي تَحَرُّزِهِمْ فِي الْفُتْيَا مِنْ قَوْلِ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَوَاجِبٍ . . . إِلَخْ ، فِي سِيَاقِ مَا وَقَعَ مِنْ خِلَافٍ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّعَصُّبِ ، وَأَنَّ مَالِكًا أَشَدُّ تَحَفُّظًا فِي ذَلِكَ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَيْضًا رِوَايَةُ الْمُدَوَّنَةِ بِمَا نَصُّهُ مَا قَوْلُ مَالِكٍ : إِذَا اجْتَمَعَ الْأَضْحَى وَالْجُمُعَةُ أَوِ الْفِطْرُ فَصَلَّى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ أَرَادَ أَلَّا يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ هَلْ يَضَعُ ذَلِكَ عَنْهُ شُهُودُ صَلَاةِ الْعِيدِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ إِتْيَانِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ لَا ، كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : لَا يَضَعُ ذَلِكَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ إِتْيَانِ الْجُمُعَةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي إِلَّا عُثْمَانُ ، وَلَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَرَى الَّذِي فَعَلَ عُثْمَانُ ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَا يَضَعُهَا عَنْهُ إِذْنُ الْإِمَامِ ، وَإِنْ شَهِدَ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ عِيدًا . اهـ مِنَ الْمُدَوَّنَةِ ، فَهَذِهِ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ لَا يَضَعُهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إِذْنُ الْإِمَامِ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ فِقْهِ مَسْأَلَةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ فِيهَا خِلَافًا مَشْهُورًا ، وَلَكِنْ يُهِمُّنَا تَنْصِيصُ مَالِكٍ عَلَى خُصُوصِ الْجُمُعَةِ ، وَفِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، مَا نَصُّهُ : وَلَزِمَتِ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ بِلَا عُذْرٍ ، قَالَ شَارِحُهُ الْخُرَشِيُّ : لَزِمَتْ وَوَجَبَ إِثْمُ تَارِكِهَا وَعُقُوبَتُهُ ، فَهَذِهِ أَقْوَالُ الْمَالِكِيَّةِ وَحَقِيقَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ ، مَا نَصُّهُ : صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَاجِبَةٌ لِمَا رَوَى جَابِرٌ وَسَاقَ حَدِيثَهُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلَا مَرَضٍ وَنَحْوِهِ ، إِلَى أَنْ قَالَ : أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالْجُمُعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ غَيْرَ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ ، وَالنَّقْصُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ غَلِطَ ، فَقَالَ : هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، قَالُوا : وَسَبَبُ غَلَطِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ ، وَغَلِطَ مَنْ فَهِمَهُ ; لِأَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ مَنْ خُوطِبَ بِالْجُمُعَةِ وُجُوبًا خُوطِبَ بِالْعِيدَيْنِ مُتَأَكِّدًا ، وَاتَّفَقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسَائِرُ مَنْ حَكَى هَذَا الْوَجْهَ عَلَى غَلَطِ قَائِلِهِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْكَى هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يُخْتَلَفَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ : أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابَيْهِ كِتَابِ الْإِجْمَاعِ وَالْإِشْرَاقِ : إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ . اهـ مِنَ الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْمَرْوَزِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ ، قَالَ مُجَلَّدَ ( 1 ) ص 881 تَحْتَ عُنْوَانِ : إِيجَابُ الْجُمُعَةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْآيَةَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، قَالَ : وَدَلَّتِ السُّنَّةُ مِنْ فَرْضِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسَاقَ حَدِيثَ : " نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي الْجُمُعَةَ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ " إِلَى أَنْ قَالَ : وَالتَّنْزِيلُ ثُمَّ السُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى إِيجَابِ الْجُمُعَةِ ، وَقَالَ : وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِبَلَدٍ تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ مِنْ بَالِغٍ حُرٍّ لَا عُذْرَ لَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ ، فَهَذِهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ عَامَّةً فِي الْوُجُوبِ وَخَاصَّةً فِي الْأَعْيَانِ ، وَهَذَا بَيَانٌ كَافٍ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ نَصِّ كِتَابِهِ الْأُمِّ . اهـ . الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : " نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ " هُوَ عَيْنُ الْحَدِيثِ الَّذِي بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وُجُوبَ الْجُمُعَةِ ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ " فَفِيهِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ . أَمَّا الْأَحْنَافُ ، فَقَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مَا نَصُّهُ : وَقَدْ نُسِبَ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا مِنْ جَهْلِهِمْ ، وَسَبَبُ غَلَطِهِمْ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ : وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَنْزِلِهِ وَلَا عُذْرَ لَهُ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حَرُمَ عَلَيْهِ وَصَحَّتِ الظُّهْرُ بِتَرْكِ الْفَرْضِ ، إِلَى آخِرِهِ . ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا فَرْضٌ آكَدُ مِنَ الظُّهْرِ ، وَذَكَرَ أَوَّلَ الْبَابِ ، اعْلَمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، فَحُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهَا وَجَهْلِ مَنْ نَسَبَ إِلَى مَذْهَبِهِمِ الْقَوْلَ بِعَدَمِ فَرْضِيَّتِهَا ، وَهَذِهِ أَيْضًا حَقِيقَةُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَنَّهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ آكَدُ مِنَ الظُّهْرِ . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ ، فَقَالَ فِي الْمُغْنِي مَا نَصُّهُ : الْأَصْلُ فِي فَرْضِ الْجُمُعَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ، وَسَاقَ الْآيَةَ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْآيَةَ ، وَقَالَ بَعْدَهَا : فَصْلٌ : وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ وَالسَّعْيُ إِلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ مَنْ يُقِيمُهَا سُنِّيًّا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهَذَا أَعَمُّ وَأَشْمَلُ ، حَتَّى مَعَ الْإِمَامِ غَيْرِ الْعَادِلِ وَغَيْرِ السُّنِّيِّ . فَهَذِهِ نُصُوصُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَفَرْضِهَا عَلَى الْأَعْيَانِ ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَدْنَى شُبْهَةٍ يَلْتَمِسُهَا مِنْ أَيِّ مَذْهَبٍ ، وَلَا تَتَبُّعِ شَوَاذِّهِ لِلتَّهَاوُنِ بِفَرْضِ الْجُمُعَةِ لِنِيَابَةِ الظُّهْرِ عَنْهَا . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ قَرِينَةً عَلَى هَذَا الْوُجُوبِ ، وَأَنَّهُ لَا صَارِفَ لِلْأَمْرِ عَنْ وُجُوبِ السَّعْيِ إِلَيْهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعَ الْأَمْرِ بِالسَّعْيِ إِلَيْهَا الْأَمْرَ بِتَرْكِ الْبَيْعِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ ، وَإِذَا كَانَ تَرْكُ الْبَيْعِ وَاجِبًا مِنْ أَجْلِهَا فَمَا وَجَبَ هُوَ مِنْ أَجْلِهِ كَانَ وُجُوبُهُ هُوَ أَوْلَى ، قَالَ فِي الْمُغْنِي : فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ ، وَيَقْتَضِي الْأَمْرُ الْوُجُوبَ وَلَا يَجِبُ السَّعْيُ إِلَّا إِلَى الْوَاجِبِ ، وَنَهَى عَنِ الْبَيْعِ لِئَلَّا يُشْغَلَ بِهِ عَنْهَا ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمَا نَهَى عَنِ الْبَيْعِ مِنْ أَجْلِهَا ، وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى ، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْوَعِيدِ لِتَارِكِهَا بِدُونِ عُذْرٍ مَشْهُورَةٌ تُؤَكِّدُ هَذَا الْوُجُوبَ . مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي الْجَعْدِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ " ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَسَكَتَ عَنْهُ . وَفِي الْمُنْتَقَى ، قَالَ : رَوَاهُ الْخَمْسَةُ أَيْ مَا عَدَا الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا ، وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ : " لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ : " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ . وَقَدْ فَسَّرَ الطَّبْعَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْجَعْدِ بِأَنَّهُ طَبْعُ النِّفَاقِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْمُنَافِقُونَ " : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [ 63 \ 3 ] ، وَقِيلَ : طَبْعُ ضَلَالٍ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ . ثُمَّ يَكُونُ أَيِ : الْقَلْبُ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّوْفِيقَ لِفَضْلِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية