الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . قَرَأَ الْجُمْهُورُ : ( فَاسْعَوْا ) ، وَقَرَأَهَا عُمَرُ : ( فَامْضُوا ) ، رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ أُبَيًّا يَقْرَؤُهَا ( فَاسْعَوْا ) ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ أَقْرَؤُنَا وَأَعْلَمُنَا بِالْمَنْسُوخِ ، وَإِنَّمَا هِيَ ( فَامْضُوا ) . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَالِمٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا سَمِعْتُ عُمَرَ قَطُّ يَقْرَؤُهَا إِلَّا فَامْضُوا . وَبَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ بَابُ قَوْلِهِ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [ 62 \ 3 ] ، وَقَرَأَ عُمَرُ : فَامْضُوا ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ : فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، وَقَالَ : لَوْ كَانَتْ ( فَاسْعَوْا ) لَسَعَيْتُ حَتَّى يَسْقُطَ رِدَائِي . اهـ . وَبِالنَّظَرِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ نَجِدُ الصَّحِيحَ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ لِأَمْرَيْنِ ، الْأَوَّلِ : لِشَهَادَةِ عُمَرَ نَفْسِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ أُبَيًّا أَقْرَؤُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ بِالْمَنْسُوخِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ وَأَقْرَؤُهُمْ . أَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّ سَنَدَهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ; لِأَنَّهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَيْئًا . اهـ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّعْيِ هُنَا ، وَحَاصِلُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لَا يُعَارِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا : الْأَوَّلُ : الْعَمَلُ لَهَا ، وَالتَّهَيُّؤُ مِنْ أَجْلِهَا . الثَّانِي : الْقَصْدُ وَالنِّيَّةُ عَلَى إِتْيَانِهَا . الثَّالِثُ : السَّعْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ دُونَ الرُّكُوبِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ السَّعْيَ يُطْلَقُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْعَمَلِ ، قَالَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ . وَقَالَ : هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، قَالَ تَعَالَى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ [ 2 \ 205 ] ، وَقَالَ : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [ 92 \ 4 ] ، أَيِ الْعَمَلَ . وَاسْتَدَلُّوا لِلثَّانِي بِقَوْلِ الْحَسَنِ : وَاللَّهِ مَا هُوَ بِسَعْيٍ عَلَى الْأَقْدَامِ ، وَلَكِنْ سَعْيُ الْقُلُوبِ وَالنِّيَّةِ . وَاسْتَدَلُّوا لِلثَّالِثِ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ مَشَى إِلَى الْجُمُعَةِ رَاجِلًا ، وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ " . ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ . وَبِالتَّأَمُّلِ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ نَجِدُهَا مُتَلَازِمَةً لِأَنَّ الْعَمَلَ أَعَمُّ مِنَ السَّعْيِ ، وَالسَّعْيَ أَخَصُّ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ أَعَمَّ وَأَخَصَّ ، وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الْعَمَلِ ، وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الصَّحِيحَةِ : ( فَامْضُوا ) ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ التَّفْسِيرِ لِلسَّعْيِ . وَرُوِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ : أَنَّ الْمُضِيَّ وَالسَّعْيَ وَالذَّهَابَ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ السَّعْيَ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ الْجِدُّ وَالْحِرْصُ عَلَى التَّحْصِيلِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [ 22 \ 51 ] ، بِأَنَّهُمْ حَرِيصُونَ عَلَى ذَلِكَ : وَهُوَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالَاتِ الْقُرْآنِ . قَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ : السَّعْيُ الْمَشْيُ السَّرِيعُ ، وَهُوَ دُونَ الْعَدْوِ ، وَيُسْتَعْمَلُ لِلْجِدِّ فِي الْأَمْرِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا ، قَالَ تَعَالَى : وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [ 2 \ 114 ] . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ [ 2 \ 205 ] ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [ 17 \ 19 ] ، وَجَمَعَ الْأَمْرَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى [ 53 \ 39 - 40 ] ، وَهُوَ مَا تَشْهَدُ لَهُ اللُّغَةُ ، كَمَا فِي قَوْلِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى : سَعَى سَاعِيًا غَيْظَ ابْنِ مُرَّةَ بَعْدَمَا تَبَزَّلَ مَا بَيْنَ الْعَشِيرَةِ بِالدَّمِ وَكَقَوْلِ الْآخَرِ : إِنْ أَجْزِ عَلْقَمَةَ بْنَ سَعْدٍ سَعْيَهُ لَا أَجْزِهِ بِبَلَاءِ يَوْمٍ وَاحِدٍ تَنْبِيهٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ يَظْهَرُ أَنَّ السَّعْيَ هُوَ الْمُضِيُّ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، وَلَا تُسْرِعُوا ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا " . وَهَذَا أَمْرٌ عَامٌّ لِكُلِّ آتٍ إِلَى كُلِّ صَلَاةٍ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ : " فَلَا تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمُ السَكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا " . ا هـ . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا رَكَعَ خَلْفَ الصَّفِّ وَدَبَّ حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ وَهُوَ رَاكِعٌ ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ، وَلَا تَعُدْ " عَلَى رِوَايَةِ تَعُدْ مِنَ الْعَوْدِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية