الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الصَّلَاةُ بَيْنَ أَذَانِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَذَانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ تَعَوَّدَ النَّاسُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ ، وَالَّذِي يَقَعُ الْآنَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَقَبْلَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِأَذَانِ عُثْمَانَ ، وَقَدْ تَسَاءَلَ النَّاسُ عَنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، أَهِيَ سُنَّةٌ أَمْ لَا ؟ وَيَتَجَدَّدُ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ حِينٍ إِلَى آخَرَ ، وَأَجْمَعُ مَا رَأَيْتُ فِيهِ هُوَ كَلَامُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي رِسَالَةٍ خَاصَّةٍ ، جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ وُجِّهَ إِلَيْهِ هَذَا نَصُّهُ : هَلِ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوِ التَّابِعِينَ أَوِ الْأَئِمَّةِ ، أَمْ لَا ؟ وَهَلْ هُوَ مَنْصُوصٌ فِي مَذْهَبٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمْ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ ، هَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَمْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ : أَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْأَذَانِ شَيْئًا ، وَلَا نُقِلَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُؤَذَّنُ عَلَى عَهْدِهِ إِلَّا إِذَا قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَيُؤَذِّنُ بِلَالٌ ثُمَّ يَخْطُبُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُطْبَتَيْنِ ، ثُمَّ يُقِيمُ بِلَالٌ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَمَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْأَذَانِ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نُقِلَ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي بَيْتِهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلَا وَقَّتَ بِقَوْلِهِ : " صَلَاةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ الْجُمُعَةِ " بَلْ أَلْفَاظُهُ فِيهَا التَّرْغِيبُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ كَقَوْلِهِ : " مَنْ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ، وَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ " . . . الْحَدِيثَ . وَهَذَا الْمَأْثُورُ عَنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا إِذَا أَتَوُا الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ مِنْ حِينِ يَدْخُلُونَ مَا تَيَسَّرَ ، مِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتٍ مُقَدَّرَةٌ بِعَدَدٍ . ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ . وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ قَبْلَهَا سُنَّةٌ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا رَكْعَتَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا أَرْبَعًا تَشْبِيهًا لَهَا بِسُنَّةِ الظُّهْرِ ، وَقَالُوا : إِنَّ الْجُمُعَةَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ وَسَاقَهُمَا ، وَخُلَاصَةُ مَا سَاقَهُ فِيهِمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ لَهَا خَصَائِصُ لَا تُوجَدُ فِي الظُّهْرِ فَلَيْسَتْ ظُهْرًا مَقْصُورَةً . وَكَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي سَفَرِهِ سُنَّةً لِلظُّهْرِ ، أَيْ : وَهِيَ مَقْصُورَةٌ فِي السَّفَرِ فَلَا تَمَسُّكَ فِي ذَلِكَ . أَمَّا عَنْ حَدِيثِ : " بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ " فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ إِنْ قِيلَ الْجُمُعَةُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ مُقَدَّرَةٌ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ " مَرَّتَيْنِ ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ : " لِمَنْ شَاءَ " . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مَشْرُوعَةٌ قَبْلَ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ ، وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذَا عَلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . وَعَارَضَ غَيْرُهُ قَائِلًا : الْأَذَانُ الَّذِي عَلَى الْمَنَارَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ : وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ : هَذَا الْأَذَانُ الثَّالِثُ لَمَّا سَنَّهُ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ صَارَ أَذَانًا شَرْعِيًّا ، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَذَانِ الثَّانِي جَائِزَةً حَسَنَةً ، وَلَيْسَتْ سُنَّةً رَاتِبَةً كَالصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ . وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يَكُونُ تَرْكُهَا أَفْضَلَ إِذَا كَانَ الْجُهَّالُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ ، لَا سِيَّمَا إِذَا دَاوَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، فَيَنْبَغِي تَرْكُهَا أَحْيَانًا ، كَمَا يَنْبَغِي تَرْكُ قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَحْيَانًا . ثُمَّ قَالَ : وَإِذَا كَانَ رَجُلٌ مَعَ قَوْمٍ يُصَلُّونَهَا ، فَإِنْ كَانَ مُطَاعًا إِذَا تَرَكَهَا وَبَيَّنَ لَهُمُ السُّنَّةَ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ، بَلْ عَرَفُوا السُّنَّةَ ، فَتَرْكُهَا حَسَنٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَاعًا وَرَأَى فِي صَلَاتِهَا تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ ، أَوْ دَفْعًا لِلْخِصَامِ وَالشَّرِّ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ بَيَانِ الْحَقِّ لَهُمْ وَقَوْلِهِمْ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَا أَيْضًا حَسَنٌ . فَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا فِعْلُهُ تَارَةً ، وَتَرْكُهُ تَارَةً ، بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَجَّحُ مِنْ مَصْلَحَةِ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ . كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى آخِرِهِ . اهـ مُلَخَّصًا . فَأَنْتَ تَرَاهُ قَدْ بَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَدَمِ وُجُودِ مَكَانٍ لَهَا فِي عَهْدِهِ ، وَلَا فِي عَهْدِ صَاحِبَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَأَنَّ فِعْلَهَا بَعْدَ حَدِيثِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرْجِعُ إِلَى حَالِ الشَّخْصِ ، فَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا الْتُمِسَ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْ حَدِيثِ : " بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ " ، لَا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ . أَمَّا الْعَالِمُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ فَإِنْ كَانَ مُطَاعًا فَتَرْكُهَا أَحْسَنُ . وَتَعْلِيمُ النَّاسِ مُتَعَيَّنٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَاعٍ وَيَرْجُو نَفْعَهُمْ أَوْ يَخْشَى خُصُومَةً عَلَيْهِمْ تَضِيعُ عَلَيْهِمْ مَنْفَعَتُهُمْ مِنْهُ ، فَفَعَلَهَا تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ ، فَهَذَا حَسَنٌ . اهـ مُلَخَّصًا . وَهَذَا مِنْهُ مِنْ أَدَقِّ مَسَالِكِ سِيَاسَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ ، حَيْثُ يَنْبَغِي لِلدَّاعِي أَنْ يُرَاعِيَ حَالَةَ الْعَامَّةِ ، وَأَنْ يَكُونَ بِفِعْلِهِ مُؤَثِّرًا كَتَأْثِيرِهِ بِقَوْلِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَحْوَالِ مَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُمْ فِيمَا فِيهِ سَعَةٌ مِنَ الْأَمْرِ ، كَمَا بَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ . وَقَدْ سَاقَ ضِمْنًا كَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا ، أَيْ عِنْدَ الْمَجِئِ وَقَبْلَ الْأَذَانِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا عَدَا الدَّاخِلَ لِلْمَسْجِدِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ بَعْدَ مُنَاقَشَةِ كَلَامِ الْمَذْهَبِ ، قَالَ : وَأَمَّا السُّنَّةُ قَبْلَهَا فَالْعُمْدَةُ فِيهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَذْكُورِ : " بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ " ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الظُّهْرِ ، قَالَ : وَذَكَرَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَهَذَا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهَا رَاتِبَةُ الظُّهْرِ انْتَقَلَتْ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَلَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالْأَذَانِ ، بَلْ مِنْ حِينِ مَجِيئِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية