الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      أَلْفَاظُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالرَّاجِحُ مِنْهَا مَعَ بَيَانِ التَّثْوِيبِ وَالتَّرْجِيعِ مَدَارُ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْأَصْلِ عَلَى حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَمَا عَدَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا كَحَدِيثِ بِلَالٍ وَغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْجُودٌ فِي السُّنَنِ أَيْ فِيمَا عَدَا الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ مِنْ حَيْثُ الْزَمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَبْحَثِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ وَأَنَّهُ كَانَ ابْتِدَاءً فِي الْمَدِينَةِ أَوَّلَ مَقْدِمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهَا . وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ مَوْجُودٌ فِي السُّنَنِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ وَاحِدًا مِنْهُمَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قِصَّةَ سَبَبِ الْمَشْرُوعِيَّةِ ، وَحَدِيثَ : أُمِرِ بِلَالٌ أَنْ يُشْفِعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَعَلَيْهِ سَنُقَدِّمُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ ؛ لِتَقَدُّمِهِ فِي الزَّمَنِ ، وَأَلْفَاظُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْمَشْرُوعِيَّةِ ، هِيَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَمَجْمُوعُهُ خَمْسَةَ عَشَرَةَ كَلِمَةً أَيْ جُمْلَةً ، فَفِيهِ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ وَتَثْنِيَةُ بَاقِيهِ ، وَإِفْرَادُ آخِرِهِ ، وَفِيهِ الْإِقَامَةُ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ فِي كَلِمَةٍ وَإِفْرَادِ بَاقِيهَا إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ ، وَلَفْظُهَا : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَقَالَ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَذَكَرَ لَهُ عِدَّةَ طُرُقٍ ، وَمِنْهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ . حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ ، وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ كَمَا فِي السُّنَنِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي نَفَرٍ فَلَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقْدِمًا مِنْ حُنَيْنٍ ، وَأَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَظَلَّ أَبُو مَحْذُورَةَ فِي نَفَرِهِ يَحْكُونَهُ اسْتِهْزَاءً بِهِ ، فَسَمِعَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَحْضَرَهُمْ فَقَالَ : " أَيُّكُمُ الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ ؟ فَأَشَارُوا إِلَى أَبِي مَحْذُورَةَ ، فَحَبَسَهُ وَأَرْسَلَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ فَعَلَّمَهُ " . أَمَّا أَلْفَاظُهُ : فَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ ، وَالْبَاقِي كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مَعَ زِيَادَةِ ذِكْرِ التَّرْجِيعِ ، وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِمٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ وَبِلَفْظِ التَّكْبِيرِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ : الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ : عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ نَفْسِهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْأَذَانَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي : فِي قِصَّةِ الْإِغَارَةِ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَى الْفِطْرَةِ " ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ " . . . الْحَدِيثَ . وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ : عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " الْحَدِيثَ ، فَهَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ مُسْلِمٍ لِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ عَنِ الْإِقَامَةِ إِلَّا حَدِيثَ أَنَسٍ ، أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ ، وَعِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ جَاءَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ ، كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَبِالتَّرْجِيعِ وَالتَّثْوِيبِ فِي الْفَجْرِ ، وَفِيهَا أَنَّ التَّرْجِيعَ يَكُونُ أَوَّلًا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ . ثُمَّ يُرَجِّعُ وَيَمُدُّ بِهِمَا - أَيْ بِالشَّهَادَتَيْنِ - صَوْتَهُ ، وَذَلِكَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، أَمَّا الْإِقَامَةُ فَجَاءَتْ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ رِوَايَتَانِ : الْأُولَى قَالَ : وَعَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . الثَّانِيَةُ : مِثْلُ الْأَذَانِ تَمَامًا بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ ، وَبِدُونِ تَرْجِيعٍ ، وَتَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ أَيِ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَالْأُولَى كَالْأَذَانِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالثَّانِيَةُ كَرِوَايَةِ الْأَذَانِ عِنْدَ غَيْرِهِ بِدُونِ تَرْجِيعٍ وَلَا تَثْوِيبٍ ، وَإِضَافَةِ لَفْظِ الْإِقَامَةِ مَرَّتَيْنِ . هَذَا مَجْمُوعُ مَا جَاءَ فِي أُصُولِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ مِنْ حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي مَحْذُورَةَ . وَبِالنَّظَرِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ نَجِدُهُ لَمْ تَخْتَلِفْ أَلْفَاظُهُ لَا فِي الْأَذَانِ وَلَا فِي الْإِقَامَةِ ، وَهُوَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ وَبِدُونِ تَثْوِيبٍ وَلَا تَرْجِيعٍ ، وَبِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فَجَاءَ بِعِدَّةِ صُوَرٍ فِي الْأَذَانِ وَفِي الْإِقَامَةِ . أَمَّا الْأَذَانُ فَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِتَرْبِيعِهِ ، وَعِنْدَ الْجَمِيعِ إِثْبَاتُ التَّرْجِيعِ فِي الشَّهَادَتَيْنِ ، وَأَنَّ الْأُولَى مُنْخَفِضَةٌ ، وَالثَّانِيَةَ مُرْتَفِعَةٌ ، كَبَقِيَّةِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَجَاءَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَجَاءَتْ مِثْلَ الْأَذَانِ تَمَامًا عِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ سِوَى التَّرْجِيعِ وَالتَّثْوِيبِ مَعَ تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ ، فَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ كَالْآتِي : فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ ثَلَاثُ نِقَاطٍ : أَوَّلًا : ذِكْرُ التَّرْجِيعِ . ثَانِيًا : التَّثْوِيبُ . ثَالِثًا : عَدَدُ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ . أَمَّا التَّرْجِيعُ فَيَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَبِسَنَدٍ صَحِيحٍ . وَأَمَّا التَّثْوِيبُ فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ ، وَكَانَ أَيْضًا مُتَأَخِّرًا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ قَطْعًا ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ لِلصُّبْحِ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمٌ فَصَرَخَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَأُدْخِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّأْذِينِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ ، أَيْ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : " اجْعَلْ ذَلِكَ فِي أَذَانِكَ " فَاخْتُصَّتْ بِالْفَجْرِ . وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُغْنِي عَنْ بِلَالٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَاهُ أَنْ يُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ : دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ ، فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ فَخَرَجَ فَقِيلَ لَهُ : أَيْنَ ؟ فَقَالَ : أَخْرَجَتْنِي الْبِدْعَةُ ، فَلَزِمَ بِهَذَا كُلِّهِ الْأَخْذُ بِهَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ خَاصَّةً . أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لِأَبِي مَحْذُورَةَ مَرَّتَيْنِ فِي كَلِمَةٍ فَاخْتَلَفَ مَعَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى سَنَدِ مُسْلِمٍ فَهُوَ أَصَحُّ سَنَدًا ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ ، تَجِدُ فِيهِ زِيَادَةً صَحِيحَةً ، وَهِيَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا كَمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالتَّثْوِيبِ وَالتَّرْجِيعِ ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفِقَةَ مَعَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْمُخْتَلِفَةِ مَعَهَا . أَمَّا الْإِقَامَةُ : فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ تَخْتَلِفْ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَكِنَّهَا فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ قَدْ جَاءَتْ مُتَعَدِّدَةً وَلَمْ تَتَّفِقْ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِهَا مَعَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ، حَيْثُ إِنَّ فِيهَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ فِي جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ ، وَمِنْهَا كَالْأَذَانِ مَعَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ مَرَّتَيْنِ ، وَسَنَدُ الْجَمِيعِ سَوَاءٌ . فَهَلْ نَأْخُذُ فِي الْإِقَامَةِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ أَمْ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ ؟ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةُ بكُلٌّ مِنْهُمَا فِي السَّنَدِ سَوَاءٌ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ زِيَادَةٌ وَهِيَ تَشْبِيهُهَا بِالْأَذَانِ ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ قَاصِرًا عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الْعَمَلُ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي الْإِقَامَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ وَفِيهِ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَلَكِنْ وَجَدْنَا حَدِيثَ بِلَالٍ فِي الصَّحِيحِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَهُوَ أَمْرُ بِلَالٍ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ بِالْإِقَامَةِ ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ . وَبِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مَحْذُورَةَ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ . فَمِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ : نَشْفَعُ الْأَذَانَ ، وَلَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي الْمُرَادِ بِالشَّفْعِ مِنْ حَيْثُ التَّكْبِيرِ ; لِأَنَّ الشَّفْعَ يَصْدُقُ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعٍ ، وَعِنْدَ فِي الْأَذَانِ إِمَّا مَرَّتَانِ وَإِمَّا أَرْبَعٌ ، وَكِلَاهُمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَى الشَّفْعِ ، وَلَكِنْ إِذَا اعْتَبَرْنَا أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَانَ تَحَقُّقُ الشَّفْعِ بِجُمْلَتَيْنِ ، فَيَأْتِي أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَلِمَةً وُجِدَ الشَّفْعُ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى كَلِمَتَيْنِ ، وَلِهَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ . وَلَكِنَّ الْأَذَانَ لَمْ تُعَدَّ عِبَارَاتُهُ بِالْكَلِمَاتِ الْمُفْرَدَةِ بَلْ بِالْجُمَلِ ; لِأَنَّنَا نَعُدُّ قَوْلَنَا : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَهِيَ فِي الْوَاقِعِ جُمْلَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى عِدَّةِ كَلِمَاتٍ مُفْرَدَةٍ ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُنَا : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَلِمَةٌ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الشَّفْعُ بِتَكْرَارِهَا ، فَيَأْتِي أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ : وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ رِوَايَةِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ تَمَامًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : إِنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ جَاءَ فِي نُسْخَةِ الْفَاسِيِّ لِمُسْلِمٍ بِأَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ . اهـ . وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فِي تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ . أَمَّا الْإِقَامَةُ فَحَدِيثُ بِلَالٍ نَصٌّ فِي إِيثَارِ الْإِقَامَةِ إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ وَهُوَ عَيْنُ نَصِّ الْإِقَامَةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَيْنُ النَّصِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً إِلَّا الْإِقَامَةَ ، أَيْ : فَهِيَ مَرَّتَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا الْعَرْضِ وَبِهَذِهِ الْمُنَاقَشَةِ يَكُونُ الرَّاجِحُ هُوَ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، مَعَ أَخْذِ التَّرْجِيعِ وَالتَّثْوِيبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ لِلْأَذَانِ . ثُمَّ نَسُوقُ مَا أَخَذَ بِهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَعَ بَيَانِ النَّتِيجَةِ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْجَمِيعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبِدَايَةِ مَا نَصُّهُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَذَانِ عَلَى أَرْبَعِ صِفَاتٍ مَشْهُورَةٍ : إِحْدَاهُمَا : تَثْنِيَةُ التَّكْبِيرِ وَتَرْبِيعُ الشَّهَادَتَيْنِ وَبَاقِيهِ مُثَنًّى ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ التَّرْجِيعَ فِي الشَّهَادَتَيْنِ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنَ الْأَذَانِ . وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ : أَذَانُ الْمَكِّيِّينَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَالشَّهَادَتَيْنِ ، وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الْأَذَانِ . وَالصِّفَةُ الثَّالِثَةُ : أَذَانُ الْكُوفِيِّينَ ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الْأَذَانِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَالصِّفَةُ الرَّابِعَةُ : أَذَانُ الْبَصْرِيِّينَ ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَتَثْلِيثُ الشَّهَادَتَيْنِ ، وَحَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، يَبْدَأُ بِأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، ثُمَّ يُعِيدُ كَذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً أَعْنِي الْأَرْبَعَ كَلِمَاتٍ تَبَعًا ثُمَّ يُعِيدُهُنَّ ثَالِثَةً ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ . وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ الْأَرْبَعِ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، وَاخْتِلَافُ اتِّصَالِ الْعَمَلِ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَدَنِيِّينَ يَحْتَجُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ بِالْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ ، وَالْمَكِّيُّونَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَحْتَجُّونَ بِالْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ وَالْبَصْرِيُّونَ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آثَارٌ تَشْهَدُ لِقَوْلِهِ . اهـ . ثُمَّ سَاقَ نُصُوصَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا سَابِقًا ، وَلَمْ يُورِدْ نَصًّا لِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ الَّذِي فِيهِ التَّثْلِيثُ الْمَذْكُورُ ، وَقَدْ وُجِدَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مُجَلَّدَ ( 1 ) ص ( 564 ) وَجَاءَ مَرْوِيًّا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي الْمُصَنَّفِ الْمَذْكُورِ . وَقَالَ فِي الْإِقَامَةِ : أَمَّا صِفَتُهَا فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهَا ، وَبِإِفْرَادِ بَاقِيهَا إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَرَّتَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَهِيَ مَثْنَى مَثْنَى ، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَقَدْ خَيَّرَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ فِيهَا اهـ . تِلْكَ هِيَ خُلَاصَةُ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، وَقَدْ أَجْمَلَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي زَادِ الْمَعَادِ تَحْتَ عُنْوَانِ : فَصْلُ مُؤَذِّنِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَا نَصُّهُ : وَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ يُرَجِّعُ الْأَذَانَ وَيُثَنِّي الْإِقَامَةَ وَبِلَالٌ لَا يُرَجِّعُ وَيُفْرِدُ الْإِقَامَةَ ، فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ مَكَّةَ بِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ ، وَإِقَامَةِ بِلَالٍ ، وَيَعْنِي بِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ عَلَى رِوَايَةِ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ ، وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَإِقَامَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ ، وَأَخَذَ أَحْمَدُ ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَإِقَامَتِهِ ، أَيْ : بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ وَبِدُونِ تَرْجِيعٍ ، وَبِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ إِلَى لَفْظِ الْإِقَامَةِ ، قَالَ : وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِعَادَةَ التَّكْبِيرِ وَتَثْنِيَةَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُهَا اهـ . وَمُرَادُهُ بِمُخَالَفَةِ مَالِكٍ هُنَا لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَّفِقٌ مَعَ بَعْضِ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ . أَمَّا فِي عَدَمِ إِعَادَةِ التَّكْبِيرِ ، فَعَلَى حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَعَدَمِ تَكْرِيرِهِ لِلَفْظِ الْإِقَامَةِ ، فَعَلَى بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ بِلَالٍ أَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ أَيْ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ ، وَبِهَذَا مَرَّةً أُخْرَى يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ ، وَأَنَّهَا مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ التَّنَوُّعِ وَكُلٌّ ذَهَبَ إِلَى مَا هُوَ صَحِيحٌ وَرَاجِحٌ عِنْدَهُ ، وَلَا تَعَارُضَ مُطْلَقًا إِلَّا قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ بِالتَّثْلِيثِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ . وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ كَلِمَةَ فَصْلٍ فِي ذَلِكَ ، فِي الْمَجْمُوعِ ج 22 ص 66 بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَصُّهُ : فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ تَسْوِيغُ كُلِّ مَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكْرَهُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، إِذْ تَنَوُّعُ صِفَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَتَنَوُّعِ صِفَةِ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّشَهُّدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْرَهَ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ . اهـ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : مِمَّا لَا يَنْبَغِي الْخِلَافُ فِيهِ مَا نَصُّهُ : وَهَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يُعَنَّفُ فِيهِ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا مَنْ تَرَكَهُ . وَهَذَا كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكِهِ ، وَكَالْخِلَافِ فِي أَنْوَاعِ التَّشَهُّدَاتِ وَأَنْوَاعِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، وَأَنْوَاعِ النُّسُكِ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ . تَنْبِيهٌ قَدْ جَاءَ فِي التَّثْوِيبِ بَعْضُ الْآثَارِ عَنْ عُمَرَ وَبَعْضِ الْأُمَرَاءِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ ، كَمَا فِي قِصَّةِ بِلَالٍ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَوْ غَيْرِهِ يَكُونُ تَكْرَارًا لَمَّا سَبَقَ أَنْ جَاءَ عَنْ بِلَالٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ فِيهَا هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ أَوْ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَكُونُ الْإِمَامُ نَائِمًا فِيهَا ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ وَفِي الْأَذَانِ لَا عِنْدَ بَابِ الْأَمِيرِ أَوِ الْإِمَامِ ، وَتَقَدَّمَ أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَنْ ثَوَّبَ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِدْعَةً وَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية