ذكر بعد ميثاق اليهود ميثاق النصارى . وجاءت الجملة على شبه اشتغال العامل عن المعمول بضميره حيث قدم متعلق أخذنا ميثاقهم وفيه اسم ظاهر ، وجيء بضميره مع العامل للنكتة الداعية للاشتغال من تقرير المتعلق وتثبيته في الذهن إذ يتعلق الحكم باسمه الظاهر وبضميره ، فالتقدير : وأخذنا من الذين قالوا : إنا نصارى ميثاقهم ، وليس تقديم المجرور بالحرف لقصد الحصر . وقيل : ضمير ميثاقهم عائد إلى اليهود ، والإضافة على معنى التشبيه ، أي من النصارى أخذنا ميثاق اليهود ، أي مثله ، فهو تشبيه بليغ حذفت الأداة [ ص: 146 ] فانتصب المشبه به . وهذا بعيد ، لأن ميثاق اليهود لم يفصل في الآية السابقة حتى يشبه به ميثاق النصارى .
وعبر عن النصارى بـ الذين قالوا إنا نصارى هنا وفي قوله : الآتي ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى تسجيلا عليهم بأن اسم دينهم مشير إلى أصل من أصوله ، وهو أن يكون أتباعه أنصارا لما يأمر به الله ، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله . ومن جملة ذلك أن ينصروا القائم بالدين بعد عيسى من أتباعه ، مثل بولس وبطرس وغيرهما من دعاة الهدى ; وأعظم من ذلك كله أن ينصروا النبيء المبشر به في التوراة والإنجيل الذي يجيء بعد عيسى قبل منتهى العالم ويخلص الناس من الضلال ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ) الآية . فجميع أتباع الرسل قد لزمهم ما التزمه أنبياؤهم وبخاصة النصارى ، فهذا اللقب ، وهو النصارى ، حجة عليهم قائمة بهم متلبسة بجماعتهم كلها .
ويفيد لفظ " قالوا " بطريق التعريض الكنائي أن هذا القول موفى به وأنه يجب أن يوفى به . هذا إذا كان النصارى جمعا لناصري أو نصراني على معنى النسبة إلى النصر مبالغة ، كقولهم : شعراني ، ولحياني ، أي الناصر الشديد النصر ; فإن كان النصارى اسم جمع ناصري ، بمعنى المنسوب إلى الناصري ، والناصري عيسى ، لأنه ظهر من مدينة الناصرة . فالناصري صفة عرف بها المسيح عليه السلام في كتب اليهود لأنه ظهر بدعوة الرسالة من بلد الناصرة في فلسطين ; فلذلك كان معنى النسبة إليه النسبة إلى طريقته وشرعه; فكل من حاد عن شرعه لم يكن حقيقا بالنسبة إليه إلا بدعوى كاذبة ، فلذلك قال قالوا إنا نصارى . وقيل : إن النصارى جمع نصراني ، منسوب إلى النصر : كما قالوا : شعراني ، ولحياني ، لأنهم قالوا : نحن أنصار الله . وعليه فمعنى قالوا إنا نصارى أنهم زعموا ذلك بقولهم ولم يؤيدوه بفعلهم .
[ ص: 147 ] وقد أخذ الله على النصارى ميثاقا على لسان المسيح عليه السلام . وبعضه مذكور في مواضع من الأناجيل .
وقوله : فأغرينا بينهم العداوة حقيقة الإغراء حث أحد على فعل وتحسينه إليه حتى لا يتوانى في تحصيله ; فاستعير الإغراء لتكوين ملازمة العداوة والبغضاء في نفوسهم أي لزومهما لهم فيما بينهم ، شبه تكوين العداوة والبغضاء مع استمرارهما فيهم بإغراء أحد أحدا بعمل يعمله تشبيه معقول بمحسوس . ولما دل الظرف ، وهو " بينهم " ، على أنهما أغريتا بهم استغني عن ذكر متعلق " أغرينا " . وتقدير الكلام : فأغرينا العداوة والبغضاء بهم كائنتين بينهم . ويشبه أن يكون العدول على تعدية " أغرينا " بحرف الجر إلى تعليقه بالظرف قرينة أو تجريدا لبيان أن المراد بـ " أغرينا " ألقينا .
وما وقع في الكشاف من تفسير " أغرينا " بمعنى ألصقنا ، تطوح عن المقصود إلى رائحة الاشتقاق من الغراء ، وهو الدهن الذي يلصق الخشب به ، وقد تنوسي هذا المعنى في الاستعمال . والعداوة والضمير المجرور بإضافة بين إليه يعود إلى النصارى لتنتسق الضمائر .
والعداوة والبغضاء اسمان لمعنيين من جنس الكراهية الشديدة ، فهما ضدان للمحبة .
وظاهر عطف أحد الاسمين على الآخر في مواضع من القرآن ، في هذه الآية وفي الآيتين بعدها في هذه السورة وفي آية سورة الممتحنة ، أنهما ليسا من الأسماء المترادفة ; لأن التزام العطف بهذا الترتيب يبعد أن يكون لمجرد التأكيد ، فليس عطف أحدهما على الآخر من قبيل عطف المرادف لمجرد التأكيد كقول عدي :
وألفى قولها كذبا ومينا
[ ص: 148 ] وقد ترك علماء اللغة بيان التفرقة بين العداوة والبغضاء ، وتابعهم المفسرون على ذلك ; فلا تجد من تصدى للفرق بينهما سوى الشيخ ابن عرفة التونسي ، فقال في تفسيره : " العداوة أعم من البغضاء لأن العداوة سبب في البغضاء ; فقد يتعادى الأخ مع أخيه ولا يتمادى على ذلك حتى تنشأ عنه المباغضة ، وقد يتمادى على ذلك " اهـ .ووقع لأبي البقاء الكفوي في كتاب الكليات أنه قال : " العداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض ، وقد يبغض من ليس بعدو . وهو يخالف كلام ابن عرفة . وفي تعليليهما مصادرة واضحة ، فإن كانت العداوة أعم من البغضاء زادت فائدة العطف لأنه يصير في معنى الاحتراس ، وإن كانت العداوة أخص من البغضاء لم يكن العطف إلا للتأكيد ، لأن التأكيد يحصل بذكر لفظ يدل على بعض مطلق من معنى الموكد ، فيتقرر المعنى ولو بوجه أعم أو أخص ، وذلك يحصل به معنى التأكيد .
وعندي : أن كلا الوجهين غير ظاهر ، والذي أرى أن بين معنيي العداوة والبغضاء التضاد والتباين ; فالعداوة كراهية تصدر عن صاحبها : معاملة بجفاء ، أو قطيعة ، أو إضرار ، لأن العداوة مشتقة من العدو وهو التجاوز والتباعد ، فإن مشتقات مادة ( ع د و ) كلها تحوم حول التفرق وعدم الوئام . وأما البغضاء فهي شدة البغض ، وليس في مادة ( ب غ ض ) إلا معنى جنس الكراهية فلا سبيل إلى معرفة اشتقاق لفظها من مادتها . نعم يمكن أن يرجع فيه إلى طريقة القلب ، وهو من علامات الاشتقاق ، فإن مقلوب بغض يكون غضب لا غير ، فالبغضاء شدة الكراهية غير مصحوبة بعدو ، فهي مضمرة في النفس . فإذا كان كذلك لم يصح اجتماع معنيي العداوة والبغضاء في موصوف واحد في وقت واحد فيتعين أن يكون إلقاؤهما بينهم على معنى التوزيع ، أي أغرينا العداوة بين بعض منهم والبغضاء بين بعض آخر .
فوقع في هذا النظم إيجاز بديع ، لأنه يرجع إلى الاعتماد على علم المخاطبين بعدم استقامة اجتماع المعنيين في موصوف واحد .
[ ص: 149 ] ومن اللطائف ما ذكره ابن هشام ، في شرح قصيدة كعب بن زهير عند قول كعب :
لكنها خلة قد سيط من دمها فجع وولع وإخلاف وتبديل
وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم كان عقابا في الدنيا لقوله : إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون جزاء على نكثهم العهد .
وأسباب العداوة والبغضاء شدة الاختلاف : فتكون من اختلافهم في نحل الدين بين يعاقبة ، وملكانية ، ونسطورية ، وهراتقة ( بروتستانت ) ، وتكون من التحاسد على السلطان ومتاع الدنيا ، كما كان بين ملوك النصرانية ، وبينهم وبين رؤساء ديانتهم .
فإن قيل : كيف أغريت بينهم العداوة وهم لم يزالوا إلبا على المسلمين ؟ فجوابه : أن العداوة ثابتة بينهم في الدين بانقسامهم فرقا ، كما قدمناه في سورة النساء عند قوله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وذلك الانقسام يجر إليهم العداوة وخذل بعضهم بعضا . ثم إن دولهم كانت منقسمة ومتحاربة ، ولم تزل كذلك ، وإنما تألبوا في الحروب الصليبية على المسلمين ثم لم يلبثوا أن تخاذلوا وتحاربوا ، ولا يزال الأمر بينهم كذلك إلى الآن . وكم ضاعت مساعي الساعين في جمعهم على كلمة واحدة وتأليف اتحاد بينهم ، وكان اختلافهم لطفا بالمسلمين في مختلف عصور التاريخ الإسلامي ، على أن اتفاقهم على أمة أخرى لا ينافي تمكن العداوة فيما بينهم ، وكفى بذلك عقابا لهم على نسيانهم ما ذكروا به .
[ ص: 150 ] وقيل : الضمير عائد على الفريقين ، أي بين اليهود والنصارى ، ولا إشكال في تجسم العداوة بين الملتين .
وقوله : وسوف ينبئهم الله تهديد لأن المراد بالإنباء إنباء المؤاخذة بصنيعهم كقوله : فسوف تعلمون . وهذا يحتمل أن يحصل في الآخرة فالإنباء على حقيقته ، ويحتمل أن يحصل في الدنيا ، فالإنباء مجاز في تقدير الله لهم حوادث يعرفون بها سوء صنيعتهم .


