الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَانَ سُؤَالُهُمْ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ حَاصِلًا مَعَ سُؤَالِهِمْ : مَاذَا يُنْفِقُونَ ، فَعُطِفَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِيهَا جَوَابُ سُؤَالِهِمْ مَاذَا يُنْفِقُونَ عَلَى آيَةِ الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، وَلِذَلِكَ خُولِفَ الْأُسْلُوبُ الَّذِي سَلَفَ فِي الْآيَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ بِجُمَلِ ( يَسْأَلُونَكَ ) بِدُونِ عَطْفٍ فَجِيءَ بِهَذِهِ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا . وَمُنَاسَبَةُ التَّرْكِيبِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ تَعَطُّلُ إِنْفَاقٍ عَظِيمٍ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَحَاوِيجُ ، فَبَيَّنَتْ لَهُمُ الْآيَةُ وَجْهَ الْإِنْفَاقِ الْحَقَّ ، رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ ، وَقِيلَ هُوَ رُجُوعٌ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ عَمْرِو بْنِ الْجُمُوحِ الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ الْمُجَابُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ إِلَخْ ، وَعَلَيْهِ فَالْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِهِ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمَوْضِعَيْنِ لِيَقَعَ الْجَوَابُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ . وَلِإِظْهَارِ مَا يَدْفَعُ تَوَقُّعَهُمْ تَعْطِيلَ نَفْعِ الْمَحَاوِيجِ وُصِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالَّتِي قَبْلَهَا بِوَاوِ الْعَطْفِ . وَالْعَفْوُ : مَصْدَرُ عَفَا يَعْفُو إِذَا زَادَ وَنَمَى قَالَ تَعَالَى ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ، وَهُوَ هُنَا مَا زَادَ عَلَى حَاجَةِ الْمَرْءِ مِنَ الْمَالِ أَيْ فَضَلَ بَعْدَ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ بِمُعْتَادِ أَمْثَالِهِ ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْءَ لَيْسَ مُطَالَبًا بِارْتِكَابِ الْمَآثِمِ لِيُنْفِقَ عَلَى الْمَحَاوِيجِ ، وَإِنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِمَّا اسْتَفْضَلَهُ مِنْ مَالِهِ وَهَذَا أَمْرٌ بِإِنْفَاقٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَهَذَا أَفْضَلُ الْإِنْفَاقِ ، لِأَنَّ مَقْصِدَ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْإِنْفَاقِ إِقَامَةُ مَصَالِحِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِقْدَارٌ لَهُ بَالٌ إِلَّا بِتَعْمِيمِهِ وَدَوَامِهِ لِتَسْتَمِرَّ مِنْهُ مَقَادِيرُ مُتَمَاثِلَةٌ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّعْمِيمُ وَالدَّوَامُ بِالْإِنْفَاقِ مِنَ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَاتِ الْمُنْفِقِينَ فَحِينَئِذٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فَلَا يَتْرُكُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُخِلُّونَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِهِمْ ، وَهَذِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَأَصْلٌ اقْتِصَادِيٌّ عُمْرَانِيٌّ ، وَفِي الْحَدِيثِ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ فَإِنَّ الْبَدَاءَةَ بِمَنْ يَعُولُ ضَرْبٌ مِنِ الْإِنْفَاقِ ، لِأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُمْ فِي خَصَاصَةٍ احْتَاجُوا إِلَى الْأَخْذِ مِنْ أَمْوَالِ الْفُقَرَاءِ ، وَفِي الْحَدِيثِ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ أَيْ يَمُدُّونَ أَكُفَّهُمْ لِلسُّؤَالِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُنْفِقَ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ يُخَفِّفُ عَنِ الْفُقَرَاءِ بِتَقْلِيلِ عَدَدِ الدَّاخِلِينَ فِيهِمْ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّكَ لَا تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ . وَلِهَذَا أَمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِإِنْفَاقِ الْعَفْوِ ، لِأَنَّهَا لِعُمُومِ الْمُنْفِقِينَ ، فَلَا تَنَافِيَ أَنْ يُنْفِقَ أَحَدٌ مِنْ مَالِهِ الْمُحْتَاجِ هُوَ إِلَيْهِ أَوْ جَمِيعِ مَالِهِ إِذَا صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَجِبْ عَلَيْهِ هُوَ نَفَقَتُهُ . وَ " الْ " فِي الْعَفْوِ لِلْجِنْسِ الْمَعْرُوفِ لِلسَّامِعِينَ ، وَالْعَفْوُ مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّشْكِيكِ; لِأَنَّهُ يَتْبَعُ تَعْيِينَ مَا يَحْتَاجُهُ الْمُنْفِقُ وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتُونَ ، وَجَعَلَ اللَّهُ الْعَفْوَ كُلَّهُ مُنْفَقًا تَرْغِيبًا فِي الْإِنْفَاقِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِنْفَاقِ هُنَا الْإِنْفَاقُ الْمُتَطَوَّعُ بِهِ ، إِذْ قَدْ تَضَافَرَتْ أَدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ وَانْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إِنْفَاقٌ إِلَّا النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةَ وَإِلَّا الزَّكَوَاتِ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ مِنْ بَعْضِ مَا يَفْضُلُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الثَّرْوَةِ إِلَّا مَا شَذَّ بِهِ أَبُو ذَرٍّ ، إِذْ كَانَ يَرَى كَنْزَ الْمَالِ حَرَامًا وَيُنَادِي بِهِ فِي الشَّامِ فَشَكَاهُ مُعَاوِيَةُ لِعُثْمَانَ فَأَمَرَ عُثْمَانُ بِإِرْجَاعِهِ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ إِسْكَانِهِ بِالرَّبَذَةِ بِطَلَبٍ مِنْهُ ، وَقَدِ اجْتَهَدَ عُثْمَانُ لِيَسُدَّ بَابَ فِتْنَةٍ ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ ، وَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ " الْ " فِي " الْعَفْوِ " لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَهُوَ نَمَاءُ الْمَالِ الْمُقَدَّرِ بِالنِّصَابِ ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ قُلِ الْعَفْوَ بِنَصْبِ الْعَفْوِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَاذَا يُنْفِقُونَ ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اعْتِبَارِ ذَا بَعْدَ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ مُلْغَاةً فَتَكُونُ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِـ ( يُنْفِقُونَ ) فَنَاسَبَ أَنْ يَجِيءَ مُفَسِّرُ مَا فِي جَوَابِ السُّؤَالِ مَنْصُوبًا كَمُفَسَّرِهِ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ الْعَفْوُ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى جَعْلِ ذَا بَعْدَ مَا مَوْصُولَةً ; أَيْ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً كَانَتْ مُبْتَدَأً إِذْ لَا تَعْمَلُ فِيهَا صِلَتُهَا وَكَانَتْ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ خَبَرًا عَنْ مَا الْمَوْصُولَةِ ، وَكَانَ مُفَسَّرُهَا فِي الْجَوَابِ وَهُوَ الْعَفْوُ فَنَاسَبَ أَنْ يُجَاءَ بِهِ مَرْفُوعًا كَمُفَسِّرِهِ لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ فِي الِاعْتِبَارَيْنِ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ اعْتِبَارٌ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ . وَقَوْلُهُ : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ، أَيْ كَذَلِكَ الْبَيَانُ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ، فَالْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِنَوْعِ يُبَيِّنُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وُجُوهِ هَذِهِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا . أَوِ الْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْبَيَانِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ إِلَى قَوْلِهِ الْعَفْوَ ، وَقَرَنَ اسْمَ الْإِشَارَةِ بِعَلَامَةِ الْبُعْدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ لِكَمَالِهِ فِي الْبَيَانِ ، إِذْ هُوَ بَيَانٌ لِلْحُكْمِ مَعَ بَيَانِ عِلَّتِهِ حَتَّى تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِطِيبِ نَفْسٍ ، وَحَتَّى يُلْحِقُوا بِهِ نَظَائِرَهُ ، وَبَيَانٌ لِقَاعِدَةِ الْإِنْفَاقِ بِمَا لَا يَشِذُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُنْفِقِينَ ، وَلِكَوْنِ الْكَافِ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْخِطَابُ بَلْ مُجَرَّدُ الْبُعْدِ الِاعْتِبَارِيِّ لِلتَّعْظِيمِ لَمْ يُؤْتَ بِهَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مِنْ خِطَابِ الْجَمَاعَةِ فَلَمْ يَقُلْ كَذَلِكُمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ . وَاللَّامُ فِي لَكُمْ لِلتَّعْلِيلِ وَالْأَجَلِ وَهُوَ امْتِنَانٌ وَتَشْرِيفٌ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ الْبَيَانَ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ مِمَّا اخْتُصَّتْ بِهِ هَاتِهِ الْأُمَّةُ لِيَتَلَقَّوُا التَّكَالِيفَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْعِظَةِ الَّتِي تُلْقَى إِلَى كَامِلِ الْعَقْلِ مُوَضَّحَةً بِالْعَوَاقِبِ ، لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ لَهَاتِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يَكُونَ عُلَمَاؤُهَا مُشَرِّعِينَ . وَبَيَّنَ فَائِدَةَ هَذَا الْبَيَانِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ بِقَوْلِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَيْ لِيَحْصُلَ لِلْأُمَّةِ تَفَكُّرٌ وَعِلْمٌ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأُمُورِ الْآخِرَةِ ، لِأَنَّ التَّفَكُّرَ مَظْرُوفٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَتَقْدِيرُ الْمُضَافِ لَازِمٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَالْآخِرَةِ إِذْ لَا مَعْنَى لِوُقُوعِ التَّفَكُّرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الْحَظْرِ وَالْوُجُوبِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَكَانَ بَيَانًا لِلتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ خَاصَّةً وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ بِأَنْ قِيلَ : قُلْ فِيهِمَا نَفْعٌ وَضُرٌّ لَكَانَ بَيَانًا لِلتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا خَاصَّةً ، وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ تَذْكِيرٌ بِمَصْلَحَتَيِ الدَّارَيْنِ ، وَفِي هَذَا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ إِصْلَاحِ أُمُورِ الْأُمَّةِ فِي الدُّنْيَا ، وَوَقَعَ فِي كَلَامٍ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ ذَمَّ رَجُلٌ الدُّنْيَا عِنْدَهُ قَالَ لَهُ : الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ، وَدَارُ نَجَاةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا ، وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوُّدَ مِنْهَا ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ وَمَسْجِدُ أَنْبِيَائِهِ ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا إِلَخْ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّفَكُّرِ هُوَ الْحُكْمُ الْمَنُوطُ بِالْعِلَّةِ وَهُوَ حُكْمُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ثُمَّ مَا نَشَأَ عَنْهُ قَوْلُهُ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ لِكَوْنِ الْإِنْفَاقِ مِنَ الْعَفْوِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَيَانَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ كَمَالُ الِامْتِنَانِ حَتَّى يُجْعَلَ نَمُوذَجًا لِجَلِيلِ الْبَيَانَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَحَتَّى يَكُونَ مَحَلَّ كَمَالِ الِامْتِنَانِ وَحَتَّى تَكُونَ غَايَتُهُ التَّفَكُّرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَلَا يُعْجِبُكُمْ كَوْنُهُ أَقْرَبَ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ ، لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِمِثْلِ هَاتِهِ الْأُمُورِ اللَّفْظِيَّةِ فِي نُكَتِ الْإِعْجَازِ إِضَاعَةٌ لِلْأَلْبَابِ وَتَعَلُّقٌ بِالْقُشُورِ . وَقَوْلُهُ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ غَايَةُ هَذَا الْبَيَانِ وَحِكْمَتُهُ ، وَالْقَوْلُ فِي لَعَلَّ تَقَدَّمَ . وَقَوْلُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَتَعَلَّقُ بِتَتَفَكَّرُونَ لَا بِيُبَيِّنُ ، لِأَنَّ الْبَيَانَ وَاقِعٌ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ . وَالْمَعْنَى : لِيَحْصُلَ لَكُمْ فِكْرٌ أَيْ عِلْمٌ فِي شُئُونِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَا سِوَى هَذَا تَكَلُّفٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية