الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا إِدْرِيسُ : اسْمٌ جُعِلَ عَلَمًا عَلَى جَدِّ أَبِي نُوحٍ ، وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي التَّوْرَاةِ أَخْنُوخَ . فَنُوحٌ هُوَ ابْنُ لَامِكَ بْنِ مَتُّوشَالِحَ بْنِ أَخْنُوخَ ، فَلَعَلَّ اسْمَهُ عِنْدَ نَسَّابِيِ الْعَرَبِ إِدْرِيسَ ، أَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ سَمَّاهُ بِذَلِكَ اسْمًا مُشْتَقًّا مِنَ الدَّرْسِ لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . وَاسْمُهُ هَرْمَسُ عِنْدَ الْيُونَانِ ، وَيُزْعَمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ يُسَمَّى عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ الْقُدَمَاءِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ تُوتٌ أَوْ تُحُوتِي أَوْ تُهُوتِي لَهَجَاتٌ فِي النُّطْقِ بِاسْمِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ الْعِبْرِيِّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ يُلَقَّبُ عِنْدَ قُدَمَاءِ الْيُونَانِ طُرَيْسَمَجِيسَطِيسَ . وَمَعْنَاهُ بِلِسَانِهِمُ ثُلَاثِيُّ التَّعْلِيمِ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَصِفُ اللَّهَ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ ذَاتِيَّةٍ وَهِيَ الْوُجُودُ وَالْحِكْمَةُ وَالْحَيَاةُ اهـ . وَلَا يَخْفَى قُرْبُ الْحُرُوفِ الْأُولَى فِي هَذَا الِاسْمِ مِنْ حُرُوفِ إِدْرِيسَ ، لَعَلَّ الْعَرَبَ اخْتَصَرُوا الِاسْمَ لِطُولِهِ فَاقْتَصَرُوا عَلَى أَوَّلِهِ مَعَ تَغْيِيرٍ . وَكَانَ إِدْرِيسُ نَبِيئًا ، فَفِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ . قِيلَ : هُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ لِلْبَشَرِ عِمَارَةَ الْمُدُنِ ، وَقَوَاعِدَ الْعِلْمِ ، وَقَوَاعِدَ التَّرْبِيَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْخَطَّ ، وَعِلْمَ الْحِسَابِ بِالنُّجُومِ وَقَوَاعِدَ سَيْرِ الْكَوَاكِبِ ، وَتَرْكِيبَ الْبَسَائِطِ بِالنَّارِ فَلِذَلِكَ كَانَ عِلْمُ الْكِيِمْيَاءِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ عَلَّمَ النَّاسَ الْخِيَاطَةَ . فَكَانَ هُوَ مَبْدَأَ مَنْ وَضَعَ الْعُلُومَ ، وَالْحَضَارَةَ ، وَالنُّظُمَ الْعَقْلِيَّةَ . فَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ فِي الْقُرْآنِ بِإِدْرِيسَ أَنَّهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمٌ مِنَ الْفَرَسِ وَزْنٌ مُنَاسِبٌ لِلْأَعْلَامِ الْعَجَمِيَّةِ ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ مَعَ كَوْنِ حُرُوفِهِ مِنْ مَادَّةٍ عَرَبِيَّةٍ ، كَمَا مُنِعَ إِبْلِيسُ مِنَ الصَّرْفِ ، وَكَمَا مُنِعَ طَالُوتُ مِنَ الصَّرْفِ . وَتَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي لَفْظِ ( نَبِيئًا ) عِنْدَ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ . وَقَوْلُهُ ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) الْجَمَاعَةُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هُوَ رَفْعٌ مَجَازِيٌّ . وَالْمُرَادُ : رَفَعُ الْمَنْزِلَةِ ، لِمَا أُوتِيَهُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي فَاقَ بِهِ عَلَى مَنْ سَلَفَهُ . وَنُقِلَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ ، وَقَالَ بِهِ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ : هُوَ رَفْعٌ حَقِيقِيٌّ إِلَىِ السَّمَاءِ . وَفِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ اللَّهَ أَخَذَهُ وَعَلَى هَذَا فَرَفْعُهُ مِثْلُ رَفْعِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ نَزْعِ رُوحِهِ وَرَوْحَنَةِ جُثَّتِهِ . وَمِمَّا يُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ بَقِيَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً لَا يَنَامُ وَلَا يَأْكُلُ حَتَّى تَرَوْحَنَ ، فَرُفِعَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أَنْبِيَاءَ غَيْرَهُ وُجِدُوا فِي السَّمَاوَاتِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيءِ - صَلَّىِ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى السَّمَاوَاتِ أَنَّهُ وَجَدَ إِدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيءِ الصَّالِحِ ؛ فَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ إِدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَادَةٌ عَلَى النَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ وَالِابْنِ الصَّالِحِ ، وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَالَ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِأُخُوَّةِ التَّوْحِيدِ فَرَجَّحَهَا عَلَى صِلَةِ النَّسَبِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ حِكْمَتِهِ ؛ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَهْوًا مِنَ الرَّاوِي فَإِنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ لَمْ تَثْبُتْ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . وَقَدْ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ إِدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ أَوْ جَدُّ أَبِيهِ . وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي قَوْلِهِ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ مَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ أَبًا لِلنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية