الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا بَعْدَ أَنْ أَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ عَلَى حَقِّ إِلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ صُنْعِهِ بِاعْتِرَافِهِمْ ، أَعْقَبَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ أَحْوَالِهِمُ الْمُتَضَمِّنَةِ إِقْرَارَهُمْ بِانْفِرَادِهِ بِالتَّصَرُّفِ ثُمَّ بِالتَّعْجِيبِ مِنْ مُنَاقَضَةِ أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ زَوَالِ اضْطِرَارِهِمْ . فَجُمْلَةُ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّقْرِيرِ ، وَإِلْزَامِ الْحُجَّةِ إِذْ لَا يُخْبِرُ أَحَدٌ عَنْ فِعْلِهِ إِخْبَارًا حَقِيقِيًّا . وَجُمْلَةُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ وَالتَّوْبِيخِ . وَضُرُّ الْبَحْرِ : هُوَ الْإِشْرَافُ عَلَى الْغَرَقِ ; لِأَنَّهُ يُزْعِجُ النُّفُوسَ خَوْفًا ، فَهُوَ ضُرٌّ لَهَا ، وَ ضَلَّ بِضَادٍ سَاقِطَةٍ فِعْلٌ مِنَ الضَّلَالِ ، وَهُوَ سُلُوكُ طَرِيقٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ لِلْمَقْصُودِ خَطَأً . وَالْعُدُولُ إِلَى الْمَوْصُولِيَّةِ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنْ عَمَلِ اللِّسَانِ لِيَتَأَتَّى الْإِيجَازُ ، أَيْ مَنْ يَتَكَرَّرُ دُعَاؤُكُمْ إِيَّاهُمْ ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُضَارِعُ ، فَالْمَعْنَى غَابَ وَانْصَرَفَ ذِكْرُ الَّذِينَ عَادَتُكُمْ دُعَاؤُهُمْ عَنْ أَلْسِنَتِكُمْ فَلَا تَدْعُونَهُمْ ، وَذَلِكَ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الدُّعَاءِ هُنَا الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ اللِّسَانُ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ ضَلَالَهُمْ هُوَ ضَلَالُ ذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ ، وَهَذَا إِيجَازٌ بَدِيعٌ . وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ الْمَوْصُولِ ; لِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ مِمَّا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فِي الدُّعَاءِ تَارَةً ، كَمَا تَجْرِي أَسْمَاءُ الْأَصْنَامِ ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ مَنْ تَدْعُونَ خَاصًّا بِأَصْنَامِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ يَكْثُرُ دُعَاؤُهُمْ إِيَّاهَا دُونَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّجَدُّدِ ، فَإِذَا اشْتَدَّ بِهِمُ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا ، وَنَصْبُ الْمُسْتَثْنَى لَا يَخْتَلِفُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَرْيًا عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى ، وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ أَرْجَحُ ; لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِقَوْلِهِ أَعْرَضْتُمْ . وَالْإِعْرَاضُ : التَّرْكُ ، أَيْ تَرَكْتُمْ دُعَاءَ اللَّهِ ، بِقَرِينَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُقْتَضَى الْمُضَارِعِ مِنْ إِعَادَةِ التَّجَدُّدِ ، وَبَيْنَ مُقْتَضَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنِ انْحِصَارِ الدُّعَاءِ فِي الْكَوْنِ بِاسْمِهِ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ إِلَى الْبَرِّ عُدِّيَ بِحَرْفِ ( إِلَى ) ;لِتَضْمِينِ نَجَّاكُمْ مَعْنَى أَبْلَغَكُمْ وَأَوْصَلَكُمْ . وَجُمْلَةُ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا اعْتِرَاضٌ ، وَتَذْيِيلٌ ; لِزِيَادَةِ التَّعَجُّبِ مِنْهُمْ ، وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ ، وَ الْكَفُورُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ ، أَيْ كَثِيرُ الْكُفْرِ ، وَالْكُفْرُ ضِدُّ الشُّكْرِ . وَالتَّعْرِيفُ فِي الْإِنْسَانِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ ، وَهُوَ مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، فَهَذَا الِاسْتِغْرَاقُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِغْرَاقًا عُرْفِيًّا بِحَمْلِهِ عَلَى غَالِبِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْإِشْرَاكِ ، وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ ، فَتَكُونُ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ مِنْ قَوْلِهِ كَفُورًا رَاجِعَةً إِلَى قُوَّةِ صِفَةِ الْكُفْرَانِ ، أَوْ عَدَمِ الشُّكْرِ فَإِنَّ أَعْلَاهُ إِشْرَاكُ غَيْرِ الْمُنْعِمِ مَعَ الْمُنْعِمِ فِي نِعْمَةٍ لَا حَظَّ لَهُ فِيهَا . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِغْرَاقُ حَقِيقِيًّا ، أَيْ كَانَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ كَفُورًا ، أَيْ غَيْرَ خَالٍ مِنَ الْكُفْرَانِ ، فَتَكُونُ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ رَاجِعَةً إِلَى كَثْرَةِ أَحْوَالِ الْكُفْرَانِ مَعَ تَفَاوُتِهَا ، وَكَثْرَةُ كُفْرَانِ الْإِنْسَانِ هِيَ تَكَرُّرُ إِعْرَاضِهِ عَنِ الشُّكْرِ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ ضَلَالًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَفْلَةً ; لِإِسْنَادِهِ النِّعَمَ إِلَى أَسْبَابِهَا الْمُقَارِنَةِ دُونَ مُنْعِمِهَا ، وَلِفَرْضِهِ مُنْعِمِينَ وَهْمِيِّينَ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْإِنْعَامِ . وَذِكْرُ فِعْلِ ( كَانَ ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكُفْرَانَ مُسْتَقِرٌّ فِي جِبِلَّةِ هَذَا الْإِنْسَانِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَشْعُرُ بِمَا وَرَاءَ عَالَمِ الْحِسِّ فَإِنَّ الْحَوَاسَّ تَشْغَلُهُ بِمُدْرِكَاتِهَا عَنْ التَّفَكُّرِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمُسْتَقِرَّةِ فِي الْحَافِظَةِ ، وَالْمُسْتَنْبَطَةِ بِالْفِكْرِ . وَلَمَّا كَانَ الشُّكْرُ عَلَى النِّعْمَةِ مُتَوَقِّفًا عَلَى تَذَكُّرِ النِّعْمَةِ ، كَانَتْ شَوَاغِلُهُ عَنْ تَذَكُّرِ النِّعَمِ الْمَاضِيَةِ مُغَطِّيَةً عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّ مُدْرَكَاتِ الْحَوَاسِّ مِنْهَا الْمُلَائِمُ لِلنَّفْسِ ، وَهُوَ الْغَالِبُ ، وَمِنْهَا الْمُنَافِرُ لَهَا ، فَالْإِنْسَانُ إِذَا أَدْرَكَ الْمُلَائِمَ لَمْ يَشْعُرْ بِقُدْرَةٍ عِنْدَهُ ; لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ حَتَّى صَارَ عَادَةً فَذُهِلَ عَمَّا فِيهِ مِنْ نَفْعٍ ، فَإِذَا أَدْرَكَ الْمُنَافِرَ اسْتَذْكَرَ فُقْدَانَ الْمُلَائِمِ فَضَجَّ وَضَجِرَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ، وَلِهَذَا قَالَ الْحُكَمَاءُ : الْعَافِيَةُ تَاجٌ عَلَى رُءُوسِ الْأَصِحَّاءِ لَا يَرَاهُ إِلَّا الْمَرْضَى ، فَهَذَا الِاعْتِبَارُ هُوَ الَّذِي أَشَارَتْ لَهُ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَهِيَ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ الْآيَةَ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ مِنْ آدَابِ النَّفْسِ فِي الشَّرِيعَةِ تَذْكِيرُهَا بِنِعَمِ اللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ) . لِيَقُومَ ذِكْرُ النِّعْمَةِ مَقَامَ مُعَاهِدَتِهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية