الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ جَوَابًا لِكَلَامِهِمْ وُشُبُهَاتِهِمْ وَمُقْتَرَحَاتِهِمْ . وَابْتُدِئَ فِي الْجَوَابِ بِإِزَالَةِ شُبْهَتِهِمْ إِذْ قَالُوا لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ ، أُرِيدَ مِنْهُ إِزَالَةُ جَهَالَتِهِمْ إِذْ سَأَلُوا نُزُولَ الْمَلَائِكَةِ عَلَامَةً عَلَى التَّصْدِيقِ ;لِأَنَّهُمْ وَإِنْ طَلَبُوا ذَلِكَ بِقَصْدِ التَّهَكُّمِ فَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَقِدُونَ أَنَّ نُزُولَ الْمَلَائِكَةِ هُوَ آيَةُ صِدْقِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ جَوَابُهُمْ مَشُوبًا بِطَرَفٍ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ، وَهُوَ صَرْفُهُمْ إِلَى تَعْلِيمِهِمُ الْمَيْزَ بَيْنَ آيَاتِ الرُّسُلِ وَبَيْنَ آيَاتِ الْعَذَابِ ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ لَا يَدَّخِرَهُمْ هَدْيًا وَإِلَّا فَهُمْ أَحْرِيَاءُ بِأَنْ لَا يُجَابُوا . وَالنُّزُولُ : التَّدَلِّي مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا انْتِقَالُ الْمَلَائِكَةِ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ إِلَى الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ نُزُولًا مَخْصُوصًا ، وَهُوَ نُزُولُهُمْ لِتَنْفِيذِ أَمْرِ اللَّهِ بِعَذَابٍ يُرْسِلُهُ عَلَى الْكَافِرِينَ ، كَمَا أُنْزِلُوا إِلَى مَدَائِنِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَلَيْسَ مِثْلَ نُزُولِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - بِالشَّرَائِعِ أَوْ بِالْوَحْيِ ; قَالَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ زَكَرِيَّاءَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى . وَالْمُرَادُ بِـ ( الْحَقِّ ) هُنَا الشَّيْءُ الْحَاقُّ ، أَيِ : الْمَقْضِيُّ ، مِثْلُ إِطْلَاقِ الْقَضَاءِ بِمَعْنَى الْمَقْضِيِّ ، وَهُوَ هُنَا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِنَ الْمَقَامِ ، أَيِ : الْعَذَابُ الْحَاقُّ ، قَالَ تَعَالَى وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ ، أَيْ : لَا تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ لِلنَّاسِ غَيْرِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِلَّا مُصَاحِبِينَ لِلْعَذَابِ الْحَاقِّ عَلَى النَّاسِ كَمَا تَنَزَّلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ وَهُوَ عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ ، وَلَوْ تَنَزَّلَتِ الْمَلَائِكَةُ لَعُجِّلَ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِمْ وَلَمَا أُمْهِلُوا . وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّهَ مُنْظِرُهُمْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدِ اسْتِئْصَالَهُمْ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ نَشْرُ الدِّينِ بِوَاسِطَتِهِمْ فَأَمْهَلَهُمْ حَتَّى اهْتَدَوْا ، وَلَكِنَّهُ أَهْلَكَ كُبَرَاءَهُمْ وَمُدَبِّرِيهِمْ . وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ ، وَقَدْ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ يَقْطَعُونَ رُءُوسَ الْمُشْرِكِينَ . وَالْإِنْظَارُ : التَّأْخِيرُ وَالتَّأْجِيلُ . وَ ( إِذَا ) حَرْفُ جَوَابٍ وَجَزَاءٍ ، وَقَدْ سَقَطَتْ هُنَا بَيْنَ جُزْأَيْ جَوَابِهَا رَعْيًا لِمُنَاسَبَةِ عَطْفِ جَوَابِهَا عَلَى قَوْلِهِ ( مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ ) ، وَكَانَ شَأْنُ ( إِذَنْ ) أَنْ تَكُونَ فِي صَدْرِ جَوَابِهَا ، وَجُمْلَتُهَا هِيَ الْجَوَابُ الْمَقْصُودُ لِقَوْلِهِمْ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ ، وَجُمْلَةُ ( مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ ) مُقَدَّمَةٌ مِنْ تَأْخِيرٍ ; لِأَنَّهَا تَعْلِيلٌ لِلْجَوَابِ ، فَقُدِّمَ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي الرَّدِّ ، وَلِأَنَّهُ أَسْعَدُ بِإِيجَازِ الْجَوَابِ . وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ إِذَنْ مَا كُنْتُمْ مُنْظَرِينَ بِالْحَيَاةِ ، وَلَعَجَّلَ لَكُمُ الِاسْتِئْصَالَ ; إِذْ مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا مَصْحُوبِينَ بِالْعَذَابِ الْحَاقِّ ، وَهَذَا الْمَعْنَى وَارِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ ( مَا تَنَزَّلُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ ( تَتَنَزَّلُ ) . وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَرَفْعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى النِّيَابَةِ . وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ ، وَخَلَفٌ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِنُونٍ فِي أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَنَصْبِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية