الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الْحَوَادِثُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ الْفَارُوقِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِيهَا فُتِحَتْ دِمَشْقُ ، وَحِمْصُ ، وَبَعْلَبَكَّ ، وَالْبَصْرَةُ ، وَالْأُبُلَّةُ ، وَوَقْعَةُ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ بِأَرْضِ نَجْرَانَ ، وَوَقْعَةُ فِحْلَ بِالشَّامِ ، فِي قَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ . فَأَمَّا دِمَشْقُ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : كَانَ خَالِدٌ عَلَى النَّاسِ فَصَالَحَ أَهْلَ دِمَشْقَ ، فَلَمْ يَفْرُغْ مِنَ الصُّلْحِ حَتَّى عُزِلَ وَوُلِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، فَأَمْضَى صُلْحَ خَالِدٍ وَلَمْ يُغَيِّرِ الْكِتَابَ . وَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ عَزَلَ خَالِدًا حِينَ وُلِّيَ . قَالَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ ، وَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى أَنْصَافِ كَنَائِسِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَعَلَى رُءُوسِهِمْ ، وَأَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ أَعْيَادِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : كَانَ الصُّلْحُ يَوْمَ الْأَحَدِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، صَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : صَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي رَجَبٍ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى دِمَشْقَ ، وَخَالِدٌ عَلَى مُقَدِّمَةِ النَّاسِ ، وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بَاهَانَ بِدِمَشْقَ ، وَكَانَ عُمَرُ عَزَلَ خَالِدًا وَاسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ فِيمَا حَوْلَ دِمَشْقَ ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ، ثُمَّ هَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ ، وَدَخَلُوا دِمَشْقَ وَغَلَّقُوا أَبْوَابَهَا ، وَنَازَلَهَا الْمُسْلِمُونَ حَتَّى فُتِحَتْ ، وَأُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، وَكَانَ قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِإِمَارَتِهِ وَعَزْلِ خَالِدٍ ، فَاسْتَحْيَا أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يُقْرِئَ خَالِدًا الْكِتَابَ حَتَّى فُتِحَتْ دِمَشْقُ وَجَرَى الصُّلْحُ عَلَى يَدَيْ خَالِدٍ ، وَكَتَبَ الْكِتَابَ بِاسْمِهِ ، فَلَمَّا صَالَحَتْ دِمَشْقُ لَحِقَ بَاهَانُ بِصَاحِبِ الرُّومِ هِرَقْلَ ، وَقِيلَ : كَانَ حِصَارُ دِمَشْقَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : إِنَّ عُمَرَ كَانَ وَاجِدًا عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِقَتْلِهِ ابْنَ نُوَيْرَةَ ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنِ انْزِعْ عَمَامَتَهُ وَقَاسِمْهُ مَالَهُ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ ، قَالَ : مَا أَنَا بِالَّذِي أَعْصِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ ، فَقَاسَمَهُ حَتَّى أَخَذَ نَعْلَهُ الْوَاحِدَةَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : كَانَ أَوَّلَ مَحْصُورٍ بِالشَّامِ أَهْلُ فِحْلَ ثُمَّ أَهْلُ دِمَشْقَ ، وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَا الْكُلَاعِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ دِمَشْقَ وَحِمْصَ رِدْءًا ، وَحَصَرُوا دِمَشْقَ ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى نَاحِيَةٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى نَاحِيَةٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى نَاحِيَةٍ ، وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ عَلَى حِمْصَ ، فَحَاصَرُوا أَهْلَ دِمَشْقَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ لَيْلَةً حِصَارًا شَدِيدًا بِالْمَجَانِيقِ ، وَجَاءَتْ جُنُودُ هِرَقْلَ نَجْدَةً لِدِمَشْقَ ، فَشَغَلَتْهَا الْجُنُودُ الَّتِي مَعَ ذِي الْكُلَاعِ ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَهْلُ دِمَشْقَ أَنَّ الْأَمْدَادَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِمْ فَشِلُوا وَوَهَنُوا . وَكَانَ صَاحِبُ دِمَشْقَ قَدْ جَاءَهُ مَوْلُودٌ فَصَنَعَ طَعَامًا وَاشْتَغَلَ يَوْمَئِذٍ ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ قَدْ هَيَّأَ حِبَالًا كَهَيْئَةِ السَّلَالِمِ ، فَلَمَّا أَمْسَى هَيَّأَ أَصْحَابَهُ وَتَقَدَّمَ هُوَ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَمْثَالُهُمْ وَقَالُوا : إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرُنَا عَلَى السُّورِ فَارْقُوا إِلَيْنَا وَانْهَدُوا الْبَابَ ، قَالَ : فَلَمَّا انْتَهَى خَالِدٌ وَرُفَقَاؤُهُ إِلَى الْخَنْدَقِ رَمَوْا بِالْحِبَالِ إِلَى الشُّرَفِ ، وَعَلَى ظُهُورِهِمُ الْقِرَبُ الَّتِي سَبَحُوا بِهَا فِي الْخَنْدَقِ . وَتَسَلَّقَ الْقَعْقَاعُ وَمَذْعُورٌ فَلَمْ يَدَعَا أُحْبُولَةً إِلَّا أَثْبَتَاهَا فِي الشُّرَفِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ أَحْصَنَ مَكَانٍ بِدِمَشْقَ ، فَاسْتَوَى عَلَى السُّورِ خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ كَبَّرُوا ، وَانْحَدَرَ خَالِدٌ إِلَى الْبَابِ فَقَتَلَ الْبَوَّابِينَ ، وَثَارَ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ لَا يَدْرُونَ مَا الشَّأْنُ ، فَتَشَاغَلَ أَهْلُ كُلِّ جِهَةٍ بِمَا يَلِيهِمْ ، وَفَتَحَ خَالِدٌ الْبَابَ وَدَخَلَ أَصْحَابُهُ عَنْوَةً ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْهُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَالْمُشَاطَرَةِ فَأَبَوْا ، فَلَمَّا رَأَوُا الْبَلَاءَ بَذَلُوا الصُّلْحَ ، فَأَجَابَهُمْ مَنْ يَلِيهِمْ ، وَقَبِلُوا ، فَقَالُوا : ادْخُلُوا وَامْنَعُونَا مِنْ أَهْلِ ذَاكَ الْبَابِ ، فَدَخَلَ أَهْلُ كُلُّ بَابٍ بِصُلْحِ مَا يَلِيهِمْ ، فَالْتَقَى خَالِدٌ وَالْأُمَرَاءُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ ، هَذَا اسْتِعْرَاضًا وَنَهْبًا ، وَهَؤُلَاءِ صُلْحًا ، فَأَجْرَوْا نَاحِيَةَ خَالِدٍ عَلَى الصُّلْحِ بِالْمُقَاسِمَةِ . وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ .

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية