الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                          سنن الترمذي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَاب وَمِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ 3079 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِئْتُ بِسَيْفٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَفَى صَدْرِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ نَحْوَ هَذَا هَبْ لِي هَذَا السَّيْفَ فَقَالَ هَذَا لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ فَقُلْتُ عَسَى أَنْ يُعْطَى هَذَا مَنْ لَا يُبْلِي بَلَائِي فَجَاءَنِي الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّكَ سَأَلْتَنِي وَلِيس لِي وَإِنَّهُ قَدْ صَارَ لِي وَهُوَ لَكَ قَالَ فَنَزَلَتْ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ الْآيَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ مُصْعَبٍ أَيْضًا وَفِي الْبَاب عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ تحفة الأحوذي ( وَمِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ ) هِيَ مَدَنِيَّةٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ آيَةً . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَفَى صَدْرِي مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ نَحْو هَذَا ) " أَوْ " لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، يَعْنِي قَالَ هَذَا اللَّفْظَ ، أَوْ قَالَ لَفْظًا آخَرَ نَحْوَ ( هَبْ لِي ) أَيْ أَعْطِنِي ( هَذَا لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ ) لِأَنَّهُ مِنْ أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي لَمْ تُقْسَمْ ( عَسَى أَنْ يُعْطَى ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( هَذَا ) أَيِ السَّيْفُ وَهُوَ نَائِبُ الْفَاعِلِ لَيُعْطَى ( مَنْ لَا يُبْلِي بَلَائِي ) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُعْطَى . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ لَا يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِي فِي الْحَرْبِ ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَفْعَلُ فِعْلًا أُخْتَبَرَ فِيهِ وَيَظْهَرَ بِهِ خَيْرِي وَشَرِّي . انْتَهَى . وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ : مَنْ لَمْ يُبْلِ بَلَائِي . قَالَ السِّنْدِيُّ : أَيْ لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَ عَمَلِي فِي الْحَرْبِ ، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ فِي الْحَرْبِ يُخْتَبَرُ الرَّجُلُ فَيَظْهَرُ حَالُهُ ، وَقَدِ اخْتُبِرْتَ أَنَا فَظَهَرَ مِنِّي مَا ظَهَرَ فَأَنَا أَحَقُّ بِهَذَا السَّيْفِ مِنَ الَّذِي لَمْ يُخْتَبَرْ مِثْلَ اخْتِبَارِي . انْتَهَى ، ( فَجَاءَنِي الرَّسُولُ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ( وَلَيْسَ لِي ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، أَيْ سَأَلْتنِي السَّيْفَ ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِي ( وَإِنَّهُ قَدْ صَارَ إِلَيَّ ) أَيِ الْآنَ ( فَنَزَلَتْ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْأَنْفَالُ : الْمَغَانِمُ . وَرَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : سُورَةُ الْأَنْفَالِ قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ ( الْآيَةَ ) قَالَ فِي الْجَلَالَيْنِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : لَمَّا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ ، فَقَالَ الشُّبَّانُ : هِيَ لَنَا لِأَنَّا بَاشَرْنَا الْقِتَالَ ، وَقَالَ الشُّيُوخُ : كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ تَحْتَ الرَّايَاتِ ، وَلَوِ انْكَشَفَتْ لَفِئْتُمْ إِلَيْنَا فَلَا تَسْتَأْثِرُوا بِهَا . نَزَلَ يَسْأَلُونَكَ : يَا مُحَمَّدُ ، عَنِ الْأَنْفَالِ الْغَنَائِمِ لِمَنْ هِيَ ، قُلْ لَهُمْ : الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يَجْعَلَانِهَا حَيْثُ شَاءَا . فَقَسَمَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ : أَيْ حَقِيقَةَ مَا بَيْنِكُمْ بِالْمَوَدَّةِ وَتَرْكِ النِّزَاعِ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ : حَقًّا . وَقَالَ فِي الْمَدَارِكِ : وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ : أَيْ أَحْوَالَ بَيْنِكُمْ ، يَعْنِي مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْأَحْوَالِ حَتَّى تَكُونَ أَحْوَالَ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَاتِّفَاقٍ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : مَعْنَى ذَاتَ بَيْنِكُمْ : حَقِيقَةَ وَصْلِكُمْ ، وَالْبَيْنُ الْوَصْلُ ، أَيْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ . قلتَ : مَا ذُكِرَ فِي الْجَلَالَيْنِ مِنْ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَنَحْوَهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ ، وَسَيَجِيءُ لَفْظُهُ ، قَالَ الْخَازِنُ : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : يَسَالُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ . اسْتِفْتَاءٌ ، يَعْنِي يَسْأَلُكَ أَصْحَابُكَ يَا مُحَمَّدُ عَنْ حُكْمِ الْأَنْفَالِ وَعِلْمِهَا ، وَهُوَ سُؤَالُ اسْتِفْتَاءٍ لَا سُؤَالَ طَلَبٍ . قَالَ الضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ : هُوَ سُؤَالُ طَلَبٍ ، وَقَوْلُهُ عَنِ الْأَنْفَالِ : أَيْ مِنَ الْأَنْفَالِ . وَ " عَنْ " بِمَعْنَى " مِنْ " أَوْ قِيلَ : " عَنْ " صِلَةٌ ، أَيْ يَسْأَلُونَكَ الْأَنْفَالَ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ سُؤَالُ طَلَبٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ يَقْتَضِيَانِ أَنَّهُ سُؤَالُ اسْتِفْتَاءٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي . وَقَالَ صَاحِبُ فَتحِ الْبَيَانِ : ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ الْأَنْفَالَ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خَاصَّةً لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ فَهِيَ عَلَى هَذَا مَنْسُوخَةٌ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : مُحْكَمَةٌ مُجْمَلَةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ مَصَارِفَهَا فِي آيَةِ الْخُمُسِ ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُنْفِلَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْجَيْشِ مَا شَاءَ قَبْلَ التَّخْمِيسِ . انْتَهَى . قلتَ : وَالظَّاهِرُ الرَّاجِحُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ ، بَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ واللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ ) أَيْ فِي شَأْنِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا ، فَالْتَقَى النَّاسُ فَهَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ ، فَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ فِي إِثْرِهِمْ يَهْزِمُونَ وَيَقْتُلُونَ ، وَأَكَبَّتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْغَنَائِمِ يَحْوُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ وَأَحْدَقَتْ طَائِفَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَا يُصِيبُ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً . حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ وَفَاءَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْغَنَائِمَ : نَحْنُ حَوَيْنَاهَا وَجَمَعْنَاهَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا نَصِيبٌ ، وَقَالَ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا نَحْنُ نَفَيْنَا عَنْهَا الْعَدُوَّ وَهَزَمْنَاهُمْ . وَقَالَ الَّذِينَ أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَسْتُمْ بِأَحَقَّ مِنَّا ، نَحْنُ أَحْدَقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَخِفْنَا أَنْ يُصِيبَ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً فَاشْتَغَلْنَا بِهِ . فَنَزَلَتْ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى فَوَاقٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَفِي لَفْظٍ مُخْتَصَرٍ : فِينَا أَصْحَابُ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا فَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَسَمَهُ فِينَا عَلَى بَوَاءٍ ، يَقُولُ عَلَى السَّوَاءِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : حَدِيثُ عُبَادَةَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ رِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ .

                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                          الخدمات العلمية