الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                          سنن الترمذي بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 244 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَايَةَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ أَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ لِي أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ قَالَ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الْإِسْلَامِ يَعْنِي مِنْهُ قَالَ وَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ عُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا فَلَا تَقُلْهَا إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ لَا يَرَوْنَ أَنْ يَجْهَرَ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالُوا وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ تحفة الأحوذي ( بَابُ مَا جَاءَ تَرْكُ الْجَهْرِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) اعْلَمْ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ، أَحَدُهَا : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَاتِحَةِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ سِرًّا وَجَهْرًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا جَائِزَةٌ بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ مَعَ قِرَاءَتِهَا هَلْ يُسَنُّ الْجَهْرُ بِهَا أَوْ لَا ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا يُسَنُّ الْجَهْرُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَالثَّانِي لَا يُسَنُّ الْجَهْرُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقِيلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَابْنِ حَزْمٍ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، قُلْتُ : قَدْ ثَبَتَ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ ، وَالْإِسْرَارُ بِهَا عِنْدِي أَحَبُّ مِنَ الْجَهْرِ بِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَائِدَةٌ : قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مَا لَفْظُهُ : اللَّالَكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ نَا الْمُخَلِّصُ ، نَا أَبُو الْفَضْلِ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبِ بْنِ بِسَامٍ ، سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ جَرِيرٍ يَقُولُ قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَدِّثْ بِحَدِيثِ السُّنَّةِ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ فَإِذَا وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قُلْتُ : يَا رَبِّ حَدَّثَنِي بِهَذَا سُفْيَانُ فَأَنْجُو أَنَا وَتُؤْخَذُ ، قَالَ : اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ إِلَى أَنْ قَالَ : يَا شُعَيْبُ ، لَا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتَ حَتَّى تَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَحَتَّى تَرَى أَنَّ إِخْفَاءَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَفْضَلَ مِنَ الْجَهْرِ بِهَا ، إِلَى أَنْ قَالَ : إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَسَأَلَكَ عَنْ هَذَا فَقُلْ : يَا رَبِّ حَدَّثَنِي بِهَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : هَذَا ثَابِتٌ عَنْ سُفْيَانَ ، وَشَيْخُ الْمُخْلِصِ ثِقَةٌ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الْأَسَدِيُّ الْبَصْرِيُّ ) ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَهِيَ أُمُّهُ ، قَالَ أَحْمَدُ إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثَبُّتِ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا ( حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ مُصَغَّرًا هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ ( عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَايَةَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثِقَةٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ كُنْيَتُهُ أَبُو نَعَامَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ( عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ) اسْمُهُ يَزِيدُ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ قَوْلُهُ : ( وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ ) أَيْ قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ مُحْدَثٌ ( إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ ) تَحْذِيرٌ أَيْ حَذِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الْحَدَثِ وَاتَّقِ مِنْهُ ( قَالَ ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ( يَعْنِي مِنْهُ ) أَيْ مِنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الرُّوَاةِ ( وَقَالَ ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ( وَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا ) أَيِ الْبَسْمَلَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَاشَ فِي خِلَافَتِهِ بِالْكُوفَةِ ، وَمَا أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا يَسِيرًا فَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ لَمْ يُدْرِكْهُ وَلَمْ يَضْبِطْ صَلَاتَهُ كَذَا فِي إِنْجَاحِ الْحَاجَةِ ( فَلَا تَقُلْهَا ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ نَهَاهُ عَنِ البَسْمَلَةِ سِرًّا ، يَعْنِي لَا يَقُولُهُ سِرًّا وَلَا جَهْرًا ، لَكِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْجَهْرِ إِذِ السَّمَاعُ عَادَةً يَتَعَلَّقُ بِالْجَهْرِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَقَدْ ضَعَّفَ الْحُفَّاظُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَأَنْكَرُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَهُ كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْخَطِيبِ ، وَقَالُوا : إِنَّ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ أَبِيهِ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَعَنْهُ أَبُو نَعَامَةَ الْحَنَفِيُّ قِيلَ اسْمُهُ يَزِيدُ ، قُلْتُ : ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْبُخَارِيِّ انْتَهَى ، وَقَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَدِيثُ الْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ لَا سِيَّمَا إِذَا تَعَدَّدَتْ شَوَاهِدُهُ ، وَكَثُرَتْ مُتَابَعَاتُهُ انْتَهَى كَلَامُهُ ، قُلْتُ : لَمْ أَجِدْ تَرْجَمَةَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، فَإِنْ كَانَ ثِقَةً قَابِلًا لِلِاحْتِجَاجِ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ ، مِنْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ زَادَ مُسْلِمٌ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ لَا يَجْهَرُونَ بِـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي أُخْرَى لِابْنِ خُزَيْمَةَ كَانُوا يُسِرُّونَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ النَّفْيُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا انْتَهَى ، وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي : فَانْدَفَعَ بِهَذَا تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِالِاضْطِرَابِ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ انْتَهَى قُلْتُ : وَالْعِلَّةُ الَّتِي أَعَلَّهَا بِهَا مَنْ أَعَلَّهَا هِيَ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنْ قَتَادَةَ مُكَاتَبَةً ، وَقَدْ رُدَّتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا ، بَلْ قَدْ رَوَاهَا غَيْرُهُ رِوَايَةً صَحِيحَةً . فَإِنْ قُلْتَ : رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ فَرَوَى أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَقَالَ إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ أَوْ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قُلْتُ : قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ إِنْكَارِ أَنَسٍ فَلَا يُقَاوَمُ مَا يَثْبُتُ عَنْ خِلَافِهِ فِي الصَّحِيحِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ نَسِيَ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَكِبَرِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرًا كَمَا سُئِلَ يَوْمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْحَسَنِ فَاسْأَلُوهُ فَإِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا ، وَكَمْ مِمَّنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذِكْرِهَا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا لَا عَنِ الْجَهْرِ بِهَا وَإِخْفَائِهَا ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ ، وَقَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ عِنْدَهُمْ كَانَ مِيرَاثًا عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَارَثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةَ دَائِمَةٌ صَبَاحًا وَمَسَاءً ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَجْهَرُ بِهَا دَائِمًا لَمَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا اشْتِبَاهٌ ، وَلَكَانَ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ، وَلَمَا قَالَ أَنَسٌ : لَمْ يَجْهَرْ بِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ ، وَلَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَسَمَّاهُ حَدَثًا ، وَلَمَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مِحْرَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَقَامِهِ عَلَى تَرْكِ الْجَهْرِ ، يَتَوَارَثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ ، وَذَلِكَ جَارٍ عِنْدَهُمْ مَجْرَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ ، لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَاعٍ وَلَا مُدٍّ ، وَمَنْ يَحْتَاجُهُ يَمْكُثُ مُدَّةً لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيُّ .

                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                          الخدمات العلمية