الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                صحيح مسلم 334 وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ أَمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّمِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ دَمًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي شرح النووي قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَلَكِنَّ هَذَا عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي فِي هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا انْقَضَى زَمَنُ الْحَيْضِ وَإِنْ كَانَ الدَّمُ جَارِيًا ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ . قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَهُوَ الْإِجَانَةُ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ ) مَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي الْمِرْكَنِ فَتَجْلِسُ فِيهِ وَتَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ فَيَخْتَلِطُ الْمَاءُ الْمُتَسَاقِطُ عَنْهَا بِالدَّمِ فَيَحْمَرُّ الْمَاءُ ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَنَظَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ تِلْكَ الْغُسَالَةِ الْمُتَغَيِّرَةِ . قَوْلُهُ : ( رَأَيْتَ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِبِلَادِنَا ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ رُوِيَ أَيْضًا مَلْأَى وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، الْأَوَّلُ عَلَى لَفْظِ ( الْمِرْكَنِ ) وَهُوَ مُذَكَّرٌ ، وَالثَّانِي عَلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ ( الْإِجَانَةُ ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا ( فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ ) هَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَلَا الصَّوْمُ فِي الْحَالِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا قَضَاءُ الصَّوْمِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ كَثِيرَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَرُبَّمَا كَانَ الْحَيْضُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا : كُلُّ صَلَاةٍ تَفُوتُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَا تُقْضَى إِلَّا رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ . قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهمْ : وَلَيْسَتِ الْحَائِضُ مُخَاطَبَةً بِالصِّيَامِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِالصِّيَامِ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَتُؤْمَرُ بِتَأْخِيرِهِ كَمَا يُخَاطَبُ الْمُحْدِثُ بِالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ فِي زَمَنِ الْحَدَثِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَكُونُ الصِّيَامُ وَاجِبًا عَلَيْهَا وَمُحَرَّمًا عَلَيْهَا بِسَبَبٍ لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى إِزَالَتِهِ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَةِ الْحَدَثِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ أبِي قِلَابَةَ ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَاسْمُهُ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ الضُّبَعِيُّ مَوْلَاهُمِ الْبَصْرِيُّ أَبُو الْأَزْهَرِيِّ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ تَلْقِيبِهِ بِالرِّشْكِ فَقِيلَ : مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ الْقَاسِمُ ، وَقِيلَ : الْغَيُورُ ، وَقِيلَ : كَثِيرُ اللِّحْيَةِ ، وَقِيلَ : ( الرِّشْكُ ) بِالْفَارِسِيَّةِ اسْمٌ لِلْعَقْرَبِ ، فَقِيلَ لِيَزِيدَ : الرِّشْكُ لِأَنَّ الْعَقْرَبَ دَخَلَتْ فِي لِحْيَتِهِ فَمَكَثَتْ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي بِهَا لِأَنَّ لِحْيَتَهُ كَانَتْ طَوِيلَةً عَظِيمَةً جِدًّا . حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُ ، وَحَكَاهَا أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ الْأَخِيرَ بِإِسْنَادِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا : ( حَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْأُولَى وَهِيَ نِسْبَةٌ إِلَى حَرُورَاءَ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْكُوفَةِ قَالَ السَّمْعَانِيُّ : هُوَ مَوْضِعٌ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ ، كَانَ أَوَّلُ اجْتِمَاعِ الْخَوَارِجِ بِهِ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : تَعَاقَدُوا فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ فَنَسَبُوا إِلَيْهَا . فَمَعْنَى قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْخَوَارِجِ يُوجِبُونَ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ ، وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي اسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَةُ هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْحَرُورِيَّةِ ، وَبِئْسَتِ الطَّرِيقَةُ . قَوْلُهَا : ( كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيْضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءِ ) مَعْنَاهُ لَا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَضَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَيْضِ وَتَرْكِهَا الصَّلَاةَ فِي زَمَنِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا لَأَمَرَهَا بِهِ . قَوْلُهَا : ( أَفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي الْكِتَابِ أَنَّ مَعْنَاهُ يَقْضِينَ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ يُقَالُ جَزَى يَجْزِي أَيْ قَضَى ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَيُقَالُ هَذَا الشَّيْءُ يَجْزِي عَنْ كَذَا أَيْ يَقُومُ مَقَامَهُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْهَمْزَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية