الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري بَاب مِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ 13 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ : ( بَابٌ مِنَ الْإِيمَانِ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَدَّمَ لَفْظَ الْإِيمَانِ بِخِلَافِ أَخَوَاتِهِ حَيْثُ قَالَ " إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الْإِيمَانِ " إِمَّا لِلِاهْتِمَامِ بِذِكْرِهِ أَوْ لِلْحَصْرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَتْ إِلَّا مِنَ الْإِيمَانِ . قُلْتُ : وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ أَلْيَقُ بِالِاهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ مَعًا ، وَهُوَ قَوْلُهُ " بَابُ حُبِّ الرَّسُولِ مِنَ الْإِيمَانِ " فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّنْوِيعَ فِي الْعِبَارَةِ ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ اهْتَمَّ بِذِكْرِ حُبِّ الرَّسُولِ فَقَدَّمَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ . قَوْلُهُ : ( وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ) هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شُعْبَةَ . فَالتَّقْدِيرُ عَنْ شُعْبَةَ وَحُسَيْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْمَعْهُمَا ; لِأَنَّ شَيْخَهُ أَفْرَدَهُمَا ، فَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مَعْطُوفًا اخْتِصَارًا وَلِأَنَّ شُعْبَةَ قَالَ : عَنْ قَتَادَةَ ، وَقَالَ حُسَيْنُ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ . وَأَغْرَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّهُ طَرِيقُ حُسَيْنٍ مُعَلَّقَةٌ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ . وَأَبْدَى الْكِرْمَانِيُّ كَعَادَتِهِ بِحَسَبِ التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيقًا أَوْ مَعْطُوفًا عَلَى قَتَادَةَ ، فَيَكُونُ شُعْبَةُ رَوَاهُ عَنْ حُسَيْنٍ عَنْ قَتَادَةَ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفِرُ عَنْهُ مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْإِسْنَادِ . وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . ( تَنْبِيهٌ ) : الْمَتْنُ الْمُسَاقُ هُنَا لَفْظُ شُعْبَةَ ، وَأَمَّا لَفْظُ حُسَيْنٍ مِنْ رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَهُوَ " لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ وَلِجَارِهِ " ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحٍ عَنْ حُسَيْنٍ " حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ " فَبَيَّنَ الْمُرَادَ بِالْأُخُوَّةِ ، وَعَيَّنَ جِهَةَ الْحُبِّ . وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ " ، وَأَمَّا طَرِيقُ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ ، فَانْتَفَتْ تُهْمَةُ تَدْلِيسِهِ . قَوْلُهُ : ( لَا يُؤْمِنُ ) أَيْ : مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَانَ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي " أَحَدُكُمْ " وَلِلْأَصِيلِيِّ " أَحَدٌ " وَلِابْنِ عَسَاكِرَ " عَبْدٌ " وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ كَمَالُ الْإِيمَانِ ، وَنَفْيُ اسْمِ الشَّيْءِ - عَلَى مَعْنَى نَفْيِ الْكَمَالِ عَنْهُ - مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِهِمْ كَقَوْلِهِمْ : فُلَانٌ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ . فَإِنْ قِيلَ : فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْخَصْلَةُ مُؤْمِنًا كَامِلًا وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ ، أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا وَرَدَ مَوْرِدَ الْمُبَالَغَةِ ، أَوْ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ " لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ " مُلَاحَظَةُ بَقِيَّةَ صِفَاتِ الْمُسْلِمِ . وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ بِالْمُرَادِ ، وَلَفْظُهُ " لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ " وَمَعْنَى الْحَقِيقَةِ هُنَا الْكَمَالُ ، ضَرُورَةً أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَكُونُ كَافِرًا ، وَبِهَذَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي التَّوَاضُعِ عَلَى مَا سَنُقَرِّرُهُ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يُحِبَّ ) بِالنَّصْبِ لِأَنَّ حَتَّى جَارَّةٌ وَأَنْ بَعْدَهَا مُضْمَرَةٌ ، وَلَا يَجُوزُ الرَّفْعُ فَتَكُونُ حَتَّى عَاطِفَةً فَلَا يَصِحُّ الْمَعْنَى ، إِذْ عَدَمُ الْإِيمَانِ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ . قَوْلُهُ : ( مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) أَيْ : مِنَ الْخَيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ مَنْدَهْ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَهَ أَيْضًا وَ " الْخَيْرُ " كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَعُمُّ الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْأُخْرَوِيَّةَ ، وَتُخْرِجُ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَنَّ اسْمَ الْخَيْرِ لَا يَتَنَاوَلُهَا . وَالْمَحَبَّةُ إِرَادَةُ مَا يَعْتَقِدُهُ خَيْرًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَحَبَّةُ الْمَيْلُ إِلَى مَا يُوَافِقُ الْمُحِبَّ ، وَقَدْ تَكُونُ بِحَوَاسِّهِ كَحُسْنِ الصُّورَةِ ، أَوْ بِفِعْلِهِ إِمَّا لِذَاتِهِ كَالْفَضْلِ وَالْكَمَالِ ، وَإِمَّا لِإِحْسَانِهِ كَجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ . انْتَهَى مَا يَحْصُلُ لَهُ . وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْمَيْلِ الِاخْتِيَارِيِّ دُونَ الطَّبِيعِيِّ وَالْقَسْرِيِّ ، وَالْمُرَادُ أَيْضًا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَحْصُلَ لِأَخِيهِ نَظِيرُ مَا يَحْصُلُ لَهُ ، لَا عَيْنَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَحْصُلَ لِأَخِيهِ مَا حَصَلَ لَهُ لَا مَعَ سَلْبِهِ عَنْهُ وَلَا مَعَ بَقَائِهِ بِعَيْنِهِ لَهُ ، إِذْ قِيَامُ الْجَوْهَرِ أَوِ الْعَرَضِ بِمَحَلَّيْنِ مُحَالٌ . وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ بْنُ سِرَاجٍ : ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ طَلَبُ الْمُسَاوَاةِ ، وَحَقِيقَتُهُ تَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِذَا أَحَبَّ لِأَخِيهِ مِثْلَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْمَفْضُولِينَ . قُلْتُ : أَقَرَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ . إِذِ الْمُرَادُ الزَّجْرُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحَثُّ عَلَى التَّوَاضُعِ . فَلَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُسَاوَاةِ . وَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِتَرْكِ الْحَسَدِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْغِشِّ ، وَكُلُّهَا خِصَالٌ مَذْمُومَةٌ . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَمِنَ الْإِيمَانِ أَيْضًا أَنْ يُبْغِضَ لِأَخِيهِ مَا يُبْغِضُ لِنَفْسِهِ مِنَ الشَّرِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ حُبَّ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِبُغْضِ نَقِيضِهِ ، فَتَرَكَ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ اكْتِفَاءً . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية