الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري بَاب الْأَلَدِّ الْخَصِمِ وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ لُدًّا عُوجًا 6765 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ : بَابُ الْأَلَدِّ الْخَصِمِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ فِي " كِتَابِ الْمَظَالِمِ " وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَقَوْلُهُ " وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ " مِنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ " الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ " فَإِنَّ الْخَصِمَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ فَيَحْتَمِلُ الشِّدَّةَ وَيَحْتَمِلُ الْكَثْرَةَ ، وَقَوْلُهُ : لُدًّا " عُوجًا ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " أَلَدُّ " أَعْوَجُ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْمُنِيرِ حَيْثُ صَحَّفَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَقَالَ : قَوْلُهُ " إِدًّا " عُوجًا ، لَا أَعْلَمُ لِهَذَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَجْهًا إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ " الْأَلَدَّ " مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّدَدِ ، وَهُوَ الِاعْوِجَاجُ وَالِانْحِرَافُ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَصْلُهُ مِنَ " اللَّدِيدِ " وَهُوَ جَانِبُ الْوَادِي وَيُطْلَقُ عَلَى جَانِبِ الْفَمِ ، وَمِنْهُ " اللَّدُودُ " وَهُوَ صَبُّ الدَّوَاءِ مُنْحَرِفًا عَنْ وَسَطِ الْفَمِ إِلَى جَانِبِهِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْعِوَجَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعَانِي كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْيَانِ فَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعَانِي " اللَّدُودُ وَالْإِدُّ " وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا أَيْ شَيْئًا مُنْحَرِفًا عَنِ الصَّوَابِ وَمُعْوَجًّا عَنْ سِمَةِ الِاعْتِدَالِ . قُلْتُ : وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ هُنَا إِلَّا بِاللَّامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ " إِدًّا عَظِيمًا " وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ " لُدًّا عُوجًا " وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُمَا ، وَوَجَدْتُ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قَوْمًا لُدًّا قَالَ جَدِلًا بِالْبَاطِلِ . ، وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : " الْجَدِلُ : الْخَصِمُ " وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَا يَسْتَقِيمُونَ " وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ : " عُوجًا ، وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا قَالَ " عُوجًا عَنِ الْحَقِّ " وَهُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الصَّحِيحِ ، وَاللُّدُّ " بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ، جَمْعُ " أَلَدُّ وَقَدْ أَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ " اللَّدُّ : الْخَصِمُ " وَكَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ مَنِ اعْوَجَّ عَنِ الْحَقِّ كَانَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ " الْأَلَدُّ : الْكَذَّابُ " وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَنْ يُكْثِرُ الْمُخَاصَمَةَ يَقَعُ فِي الْكَذِبِ كَثِيرًا ، وَتَفْسِيرُ " الْأَلَدُّ بِالْأَعْوَجِ " عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُحْمَلُ عَلَى انْحِرَافِهِ عَنِ الْحَقِّ وَتَفْسِيرُ " الْأَلَدُّ بِالشَّدِيدِ الْخُصُومَةِ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا أُخِذَ عَلَيْهِ جَانِبٌ مِنَ الْحُجَّةِ أَخَذَ فِي آخَرَ أَوْ لِأَعْمَالِهِ لَدِيدِيَّةٌ ، وَهُمَا جَانِبَا فَمِهِ فِي الْمُخَاصَمَةِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي " كِتَابِ الْمَجَازِ " فِي قَوْلِهِ قَوْمًا لُدًّا وَاحِدُهُمْ أَلَدٌّ " وَهُوَ الَّذِي يَدَّعِي الْبَاطِلَ وَلَا يَقْبَلُ الْحَقَّ " وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي " الْأَلَدِّ " وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ وَقَوْلُهُ " أَبْغَضُ الرِّجَالِ " إِلَخْ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ " الْأَبْغَضُ هُوَ الْكَافِرُ " فَمَعْنَى الْحَدِيثِ " أَبْغَضُ الرِّجَالِ الْكُفَّارُ " الْكَافِرُ : الْمُعَانِدُ أَوْ بَعْضُ الرِّجَالِ الْمُخَاصِمِينَ . قُلْتُ : وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا ، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِي حَقِّهِ عَلَى حَقِيقَتِهَا فِي الْعُمُومِ ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَسَبَبُ الْبُغْضِ أَنَّ كَثْرَةَ الْمُخَاصَمَةِ تُفْضِي غَالِبًا إِلَى مَا يُذَمُّ صَاحِبُهُ أَوْ يُخَصُّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ حَدِيثُ كَفَى بِكَ إِثْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وَوَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي تَرْكِ الْمُخَاصَمَةِ ؛ فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ " وَالرَّبَضُ " بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ " الْأَسْفَلُ " .

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية