الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ( 73 ) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ ( 74 ) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 75 ) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ( 76 ) . ( قَالُوا ) يَعْنِي : إِخْوَةُ يُوسُفَ ( تَاللَّهَ ) أَيْ : وَاللَّهِ ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِأَنْ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا بِالتَّاءِ فِي الْيَمِينِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى . ( لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ) لِنَسْرِقَ فِي أَرْضِ مِصْرَ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ ؟ . قِيلَ : قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ، فَإِنَّا مُنْذُ قَطَعْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لَمْ نَرْزَأْ أَحَدًا شَيْئًا فَاسْأَلُوا عَنَّا مَنْ مَرَرْنَا بِهِ : هَلْ ضَرَرْنَا أَحَدًا ؟ وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي جُعِلَتْ فِي رِحَالِهِمْ ، قَالُوا : فَلَوْ كُنَّا سَارِقِينَ مَا رَدَدْنَاهَا . وَقِيلَ : قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ ، وَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا مِصْرَ كَمَّمُوا أَفْوَاهَ دَوَابِّهِمْ كَيْلَا تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ حُرُوثِ النَّاسِ . ( وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ) . ( قَالُوا ) يَعْنِي الْمُنَادِيَ وَأَصْحَابَهُ ( فَمَا جَزَاؤُهُ ) أَيْ : جَزَاءُ السَّارِقِ ( إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ ) فِي قَوْلِكُمْ " وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ " . ( قَالُوا ) [ يَعْنِي : إِخْوَةَ يُوسُفَ ] ( جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ) أَيْ : فَالسَّارِقُ جَزَاؤُهُ أَنْ يُسَلَّمَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيَسْتَرِقَّهُ سَنَةً ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةَ آلِ يَعْقُوبَ فِي حُكْمِ السَّارِقِ وَكَانَ حُكْمُ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يُضْرَبَ السَّارِقُ وَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِهِمْ . ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ . فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ : لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ . فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا . وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ . ( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ) لِإِزَالَةِ التُّهْمَةِ ( قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ) فَكَانَ يُفَتِّشُ أَوْعِيَتَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا . قَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْتَحُ مَتَاعًا وَلَا يَنْظُرُ فِي وِعَاءٍ إِلَّا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَأَثُّمًا مِمَّا قَذَفَهُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا رَحْلُ بِنْيَامِينَ قَالَ : مَا أَظُنُّ هَذَا أَخَذَهُ ، فَقَالَ إِخْوَتُهُ : وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُ حَتَّى تَنْظُرَ فِي رَحْلِهِ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِكَ وَلِأَنْفُسِنَا ، فَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُ اسْتَخْرَجُوهُ مِنْهُ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ) وَإِنَّمَا أَنَّثَ الْكِنَايَةَ فِي قَوْلِهِ : " ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا " وَالصُّوَاعُ مُذَكَّرٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : " وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ " ; لِأَنَّهُ رَدَّ الْكِنَايَةَ هَا هُنَا إِلَى السِّقَايَةِ . وَقِيلَ : الصُّوَاعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . فَلَمَّا أَخْرَجَ الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِ بِنْيَامِينَ نَكَّسَ إِخْوَتُهُ رُءُوسَهُمْ مِنَ الْحَيَاءِ ، وَأَقْبَلُوا عَلَى بِنْيَامِينَ وَقَالُوا : مَا الَّذِي صَنَعْتَ فَضَحْتَنَا وَسَوَّدَتْ وُجُوهَنَا ، يَا بَنِي رَاحِيلَ ؟ مَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمُ الْبَلَاءُ ، مَتَى أَخَذْتَ هَذَا الصُّوَاعَ ؟ فَقَالَ بِنْيَامِينُ : بَلْ بَنُو رَاحِيلَ لَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ ذَهَبْتُمْ بِأَخِي فَأَهْلَكْتُمُوهُ فِي الْبَرِّيَّةِ ، وَوَضَعَ هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي الَّذِي وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ ، فَأَخَذُوا بِنْيَامِينَ رَقِيقًا . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْذَ بِرَقَبَتِهِ وَرَدَّهُ إِلَى يُوسُفَ كَمَا يُرَدُّ السُّرَّاقُ . ( كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ) وَالْكَيْدُ هَا هُنَا جَزَاءُ الْكَيْدِ ، يَعْنِي : كَمَا فَعَلُوا فِي الِابْتِدَاءِ بِيُوسُفَ مِنَ الْكَيْدِ فَعَلْنَا بِهِمْ . وَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُوسُفَ : " فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا " ، فَكِدْنَا لِيُوسُفَ فِي أَمْرِهِمْ . وَالْكَيْدُ مِنَ الْخُلُقِ : الْحِيلَةُ ، وَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ . وَقِيلَ : كِدْنَا : أَلْهَمْنَا . وَقِيلَ : دَبَّرْنَا . وَقِيلَ : أَرَدْنَا . وَمَعْنَاهُ : صَنَعْنَا لِيُوسُفَ حَتَّى ضَمَّ أَخَاهُ إِلَى نَفْسِهِ ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ . ( مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ ) فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ ( فِي دِينِ الْمَلِكِ ) أَيْ : فِي حُكْمِهِ . قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي سُلْطَانِهِ . ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) يَعْنِي : إِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَبْسِ أَخِيهِ فِي حُكْمِ الْمَلِكِ لَوْلَا مَا كِدْنَا لَهُ بِلُطْفِنَا حَتَّى وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مَا أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْإِخْوَةِ أَنَّ جَزَاءَ السَّارِقِ الِاسْتِرْقَاقُ ، فَحَصَلَ مُرَادُ يُوسُفَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى . ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ) بِالْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةَ يُوسُفَ عَلَى إِخْوَتِهِ . وَقَرَأَ يَعْقُوبُ : " يَرْفَعُ " وَ " يَشَاءُ " بِالْيَاءِ فِيهِمَا [ وَإِضَافَةُ دَرَجَاتٍ إِلَى ( مَنْ ) فِي هَذِهِ السُّورَةِ . وَالْوَجْهُ أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ : ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) أَيْ : يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجَاتِ مِنْ يَشَاءُ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ فِيهِمَا إِلَّا أَنَّ الْكُوفِيِّينَ قَرَءُوا : " دَرَجَاتٍ " بِالتَّنْوِينِ ، وَمَنْ سِوَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ ، أَيْ : نَرْفَعُ بِهِ نَحْنُ ، وَالرَّافِعُ أَيْضًا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ] . ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ عَالَمٌ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . فَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية