الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 168 ) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( 169 ) ) ( وَقَطَّعْنَاهُمُ ) وَفَرَّقْنَاهُمْ ( فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ) فِرَقًا فَرَّقَهُمُ اللَّهُ فَتَشَتَّتَ أَمْرُهُمْ وَلَمْ تَجْتَمِعْ لَهُمْ كَلِمَةٌ ، ( مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ : يُرِيدُ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآمَنُوا بِهِ ( وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ ) يَعْنِي الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الْكُفْرِ . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ هُمُ الَّذِينَ وَرَاءَ نَهْرِ أَوَدَافٍ مِنْ وَرَاءِ الصِّينِ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ ، يَعْنِي : مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْيَهُودِ ، ( وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ ) بِالْخِصْبِ وَالْعَافِيَةِ ، ( وَالسَّيِّئَاتِ ) الْجَدْبِ وَالشِّدَّةِ ، ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) لِكَيْ يُرْجِعُوا إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَيَتُوبُوا . قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أَيْ : جَاءَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَاهُمْ ( خَلْفٌ ) وَالْخَلْفُ : الْقَرْنُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ قَرْنٍ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : الْخَلْفُ بِسُكُونِ اللَّامِ الْأَوْلَادُ ، الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ فِيهِ سَوَاءٌ ، وَالْخَلْفُ بِفَتْحِ اللَّامِ : الْبَدَلُ سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا أَوْ غَرِيبًا . وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْخَلْفُ بِالْفَتْحِ : الصَّالِحُ ، وَبِالْجَزْمِ : الطَّالِحُ . وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : الْخَلَفُ بِتَحْرِيكِ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا فِي الْقَرْنِ السُّوءِ وَاحِدٌ ، وَأَمَّا فِي الْقَرْنِ الصَّالِحِ فَبِتَحْرِيكِ اللَّامِ لَا غَيْرُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِي الْمَدْحِ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَفِي الذَّمِّ بِتَسْكِينِهَا وَقَدْ يُحَرَّكُ فِي الذَّمِّ وَيُسَكَّنُ فِي الْمَدْحِ . ( وَرِثُوا الْكِتَابَ ) أَيِ : انْتَقَلَ إِلَيْهِمُ الْكِتَابُ مِنْ آبَائِهِمْ وَهُوَ التَّوْرَاةُ ، ( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ) فَالْعَرَضُ مَتَاعُ الدُّنْيَا ، وَالْعَرَضُ ، بِسُكُونِ الرَّاءِ ، مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ . وَأَرَادَ بِالْأَدْنَى الْعَالَمِ ، وَهُوَ هَذِهِ الدَّارُ الْفَانِيَةُ ، فَهُوَ تَذْكِيرُ الدُّنْيَا ، وَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَرِثُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَؤُوهَا وَضَيَّعُوا الْعَمَلَ بِمَا فِيهَا ، وَخَالَفُوا حُكْمَهَا ، يَرْتَشُونَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَتَبْدِيلِ كَلِمَاتِهِ ، ( وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) ذُنُوبُنَا يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ الْأَبَاطِيلَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيِّ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ " . ( وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حِرْصِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الذُّنُوبِ ، يَقُولُ إِذَا أَشْرَفَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا أَخَذُوهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا ، وَيَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ وَإِنْ وَجَدُوا مِنَ الْغَدِ مِثْلَهُ أَخَذُوهُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا يَسْتَقْضُونَ قَاضِيًا إِلَّا ارْتَشَى فِي الْحُكْمِ ، فَيُقَالُ لَهُ : مَا لَكَ تَرْتَشِي؟ فَيَقُولُ : سَيُغْفَرُ لِي ، فَيَطْعَنُ عَلَيْهِ الْآخَرُونَ ، فَإِذَا مَاتَ أَوْ نُزِعَ وَجُعِلَ مَكَانَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَطْعَنُ عَلَيْهِ فَيَرْتَشِي أَيْضًا . يَقُولُ : وَإِنْ يَأْتِ الْآخَرِينَ عَرْضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ . ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) أَيْ : أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ الْبَاطِلَ ، وَهِيَ تَمَنِّي الْمَغْفِرَةِ مَعَ الْإِصْرَارِ ، وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ مِيعَادُ الْمَغْفِرَةِ مَعَ الْإِصْرَارِ ، ( وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ) قَرَأُوا مَا فِيهِ ، فَهُمْ ذَاكِرُونَ لِذَلِكَ ، وَلَوْ عَقَلُوهُ لَعَمِلُوا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَدَرْسُ الْكِتَابِ : قِرَاءَتُهُ وَتَدَبُّرُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، ( وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ )

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية