الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 54 ) ) قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) أَرَادَ بِهِ فِي مِقْدَارِ سِتَّةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا سَمَاءٌ ، قِيلَ : سِتَّةُ أَيَّامٍ كَأَيَّامِ الْآخِرَةِ وَكُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ . وَقِيلَ : كَأَيَّامِ الدُّنْيَا ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَادِرًا عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي لَمْحَةٍ وَلَحْظَةٍ ، فَخَلَقَهُنَّ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تَعْلِيمًا لِخَلْقِهِ التَّثَبُّتَ وَالتَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ " . ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ : اسْتَقَرَّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : صَعَدَ . وَأَوَّلَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الِاسْتِوَاءَ بِالِاسْتِيلَاءِ ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ : الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، بِلَا كَيْفٍ ، يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْإِيمَانُ بِهِ ، وَيَكِلُ الْعِلْمَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَسَأَلَ رَجُلٌ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ قَوْلِهِ : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) طَهَ - 5 ، كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ مَلِيًّا ، وَعَلَاهُ الرُّحَضَاءُ ، ثُمَّ قَالَ : الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ ، وَمَا أَظُنُّكَ إِلَّا ضَالًّا ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ . وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ : أَمَرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ . وَالْعَرْشُ فِي اللُّغَةِ : هُوَ السَّرِيرُ . وَقِيلَ : هُوَ مَا عَلَا فَأَظَلَّ ، وَمِنْهُ عَرْشُ الْكُرُومُ . وَقِيلَ : الْعَرْشُ الْمُلْكُ . ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ) قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ : " يُغَشِّي " بِالتَّشْدِيدِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الرَّعْدِ ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ ، أَيْ : يَأْتِي اللَّيْلُ عَلَى النَّهَارِ فَيُغَطِّيهِ ، وَفِيهِ حَذْفٌ أَيْ : وَيُغْشِي النَّهَارُ اللَّيْلَ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ : " يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ " الزُّمَرُ - 5 ، ( يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ) أَيْ : سَرِيعًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَعْقُبُ أَحَدُهُمُ الْآخَرَ وَيَخْلُفُهُ ، فَكَأَنَّهُ يَطْلُبُهُ . ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ ) قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ كُلَّهَا بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ ، وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : " لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ، أَيْ : خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُسَخَّرَاتٍ ، أَيْ : مُذَلَّلَاتٍ ( بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) لَهُ الْخَلْقُ لِأَنَّهُ خَلَقَهُمْ وَلَهُ الْأَمْرُ ، يَأْمُرُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ . قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ كَفَرَ . ( تَبَارَكَ اللَّهُ ) أَيْ : تَعَالَى اللَّهُ وَتَعَظَّمَ . وَقِيلَ : ارْتَفَعَ . وَالْمُبَارَكُ الْمُرْتَفِعُ . وَقِيلَ : تَبَارَكَ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ وَهِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ ، أَيْ : الْبَرَكَةُ تُكْتَسَبُ وَتُنَالُ بِذِكْرِهِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ بِكُلِّ بَرَكَةٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ : تَجِيءُ الْبَرَكَةُ مِنْ قِبَلِهِ وَقِيلَ : تَبَارَكَ : تَقَدَّسَ . وَالْقُدْسُ : الطَّهَارَةُ . وَقِيلَ : تَبَارَكَ اللَّهُ أَيْ : بِاسْمِهِ يُتَبَرَّكُ فِي كُلِّ شَيْءٍ . وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ : مَعْنَى هَذِهِ الصِّفَةِ ثَبَتَ وَدَامَ بِمَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ . وَأَصِلُ الْبَرَكَةِ الثُّبُوتُ . وَيُقَالُ : تَبَارَكَ اللَّهُ وَلَا يُقَالُ : مُتَبَارَكٌ وَلَا مُبَارَكٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ . ( رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية