الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ( 2 ) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ( 4 ) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ( 7 ) ) وَجَوَابُ الْقَسَمِ : قَوْلُهُ : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ) يَعْنِي : مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى ( وَمَا غَوَى ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) أَيْ : بِالْهَوَى يُرِيدُ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْبَاطِلِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ الْقُرْآنَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ . ( إِنْ هُوَ ) مَا نُطْقُهُ فِي الدِّينِ ، وَقِيلَ : الْقُرْآنُ ( إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) أَيْ : وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ يُوحَى إِلَيْهِ . ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) جِبْرِيلُ ، وَالْقُوَى جَمْعُ الْقُوَّةِ . ( ذُو مِرَّةٍ ) قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ فِي خَلْقِهِ يَعْنِي جِبْرِيلَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذُو مِرَّةٍ يَعْنِي : ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : ذُو خَلْقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ . ( فَاسْتَوَى ) يَعْنِي : جِبْرِيلَ . ( وَهُوَ ) يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَكْثَرُ كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا أَرَادُوا الْعَطْفَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُظْهِرُوا كِنَايَةَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُونَ اسْتَوَى هُوَ وَفُلَانٌ ، وَقَلَّمَا يَقُولُونَ : اسْتَوَى وَفُلَانٌ نَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ : " أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا " ( النَّمْلِ - 67 ) عَطَفَ الْآبَاءَ عَلَى الْمُكَنَّى فِي " كُنَّا " مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ نَحْنُ ، وَمَعْنَى الْآيَةِ : اسْتَوَى جِبْرِيلُ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ( بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ) وَهُوَ أَقْصَى الدُّنْيَا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ، وَقِيلَ : " فَاسْتَوَى " يَعْنِي جِبْرِيلَ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ جِبْرِيلَ أَيْضًا أَيْ : قَامَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ، وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ كَمَا كَانَ يَأْتِي النَّبِيِّينَ ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا فَأَرَاهُ نَفْسَهُ مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً فِي الْأَرْضِ وَمَرَّةً فِي السَّمَاءِ ، فَأَمَّا فِي الْأَرْضِ فَفِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى ، وَالْمُرَادُ بِالْأَعْلَى جَانِبُ الْمَشْرِقِ ، وَذَلِكَ أَنْ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بِحِرَاءٍ فَطَلَعَ لَهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْمَشْرِقِ فَسَدَّ الْأُفُقَ إِلَى الْمَغْرِبِ ، فَخَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ فَضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : " ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى " وَأَمَّا فِي السَّمَاءِ فَعِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ إِلَّا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية