الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( 18 ) ) قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ ) رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ : كَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا رَكِبَ حَمَلَ أَهْلَهُ وَخَدَمَهُ وَحَشَمَهُ ، وَقَدِ اتَّخَذَ مَطَابِخَ وَمَخَابِزَ يَحْمِلُ فِيهَا تَنَانِيرَ الْحَدِيدِ وَقُدُورَ عِظَامٍ ، يَسَعُ كُلُّ قِدْرٍ عَشَرَ جَزَائِرَ وَقَدِ اتَّخَذَ مَيَادِينَ لِلدَّوَابِّ أَمَامَهُ ، فَيَطْبُخُ الطَّبَّاخُونَ ، وَيَخْبِزُ الْخَبَّازُونَ ، وَتَجْرِي الدَّوَابُّ بَيْنَ يَدَيْهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَالرِّيحُ تَهْوِي بِهِمْ ، فَسَارَ مِنِ اصْطَخْرَ إِلَى الْيَمَنِ فَسَلَكَ مَدِينَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ : هَذِهِ دَارُ هِجْرَةِ نَبِيٍّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَطُوبَى لِمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَرَأَى حَوْلَ الْبَيْتِ أَصْنَامًا تُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَلَمَّا جَاوَزَ سُلَيْمَانُ الْبَيْتَ بَكَى الْبَيْتُ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ : يَا رَبِّ أَبْكَانِي أَنَّ هَذَا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ وَقَوْمٌ مِنْ أَوْلِيَائِكَ مَرُّوا عَلَيَّ فَلَمْ يَهْبِطُوا وَلَمْ يُصَلُّوا عِنْدِي ، وَالْأَصْنَامُ تُعْبَدُ حَوْلِي مِنْ دُونِكَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ لَا تَبْكِ ، فَإِنِّي سَوْفَ أَمَلَؤُكَ وُجُوهًا سُجَّدًا ، وَأُنْزِلُ فِيكَ قُرْآنًا جَدِيدًا وَأَبْعَثُ مِنْكَ نَبِيًّا فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحَبَّ أَنْبِيَائِي إِلَيَّ ، وَأَجْعَلُ فِيكَ عُمَّارًا مِنْ خَلْقِي يَعْبُدُونَنِي ، وَأَفْرِضُ عَلَى عِبَادِي فَرِيضَةً يَذِفُّونَ إِلَيْكَ ذَفِيفَ النُّسُورِ إِلَى وَكْرِهَا ، وَيَحِنُّونَ إِلَيْكَ حَنِينَ النَّاقَةِ إِلَى وَلَدِهَا وَالْحَمَامَةِ إِلَى بَيْضَتِهَا ، وَأُطَهِّرُكَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَعَبَدَةِ الشَّيَاطِينِ ثُمَّ مَضَى سُلَيْمَانُ حَتَّى مَرَّ بِوَادِي السَّدِيرِ وَادٍ مِنَ الطَّائِفِ ، فَأَتَى عَلَى وَادِي النَّمْلِ ، هَكَذَا قَالَ كَعْبٌ : إِنَّهُ وَادٍ بِالطَّائِفِ . وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ : هُوَ أَرْضٌ بِالشَّامِ . وَقِيلَ : وَادٍ كَانَ يَسْكُنُهُ الْجِنُّ ، وَأُولَئِكَ النَّمْلُ مَرَاكِبُهُمْ وَقَالَ نَوْفٌ الْحِمْيَرِيُّ : كَانَ نَمْلُ ذَلِكَ الْوَادِي أَمْثَالَ الذُّبَابِ . وَقِيلَ : كَالْبَخَاتِيِّ . وَالْمَشْهُورُ : أَنَّهُ النَّمْلُ الصَّغِيرُ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَتْ تِلْكَ النَّمْلَةُ ذَاتَ جَنَاحَيْنِ . وَقِيلَ : كَانَتْ نَمْلَةً عَرْجَاءَ فَنَادَتْ : ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ) وَلَمْ تَقُلْ : ادْخُلْنَ ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ لَهُمْ قَوْلًا كَالْآدَمِيِّينَ خُوطِبُوا بِخِطَابِ الْآدَمِيِّينَ ) ( لَا يَحْطِمَنَّكُمْ ) لَا يَكْسَرَنَّكُمْ ) ( سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ) وَالْحَطْمُ الْكَسْرُ ) ( وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) فَسَمِعَ سُلَيْمَانُ قَوْلَهَا ، وَكَانَ لَا يَتَكَلَّمُ خَلْقٌ إِلَّا حَمَلَتِ الرِّيحُ ذَلِكَ فَأَلْقَتْهُ فِي مَسَامِعَ سُلَيْمَانَ . قَالَ مُقَاتِلٌ : سَمِعَ سُلَيْمَانُ كَلَامَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ . قَالَ الضَّحَّاكُ : كَانَ اسْمُ تِلْكَ النَّمْلَةِ طَاحِيَةُ ، قَالَ مُقَاتِلٌ : كَانَ اسْمُهَا جَرْمَى . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْحَطْمُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ وَكَانَتِ الرِّيحُ تَحْمِلُ سُلَيْمَانَ وَجُنُودَهَ عَلَى بِسَاطٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ؟ قِيلَ : كَانَ جُنُودُهُ رُكْبَانًا وَفِيهِمْ مُشَاةٌ عَلَى الْأَرْضِ تُطْوَى لَهُمْ . وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ تَسْخِيرِ اللَّهِ الرِّيحَ لِسُلَيْمَانَ . قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ : عَلِمَ النَّمْلُ أَنَّ سُلَيْمَانَ نَبِيٌّ لَيْسَ فِيهِ جَبْرِيَّةٌ وَلَا ظُلْمٌ . وَمَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّكُمْ لَوْ لَمْ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ وَطَؤُوكُمْ وَلَمْ يَشْعُرُوا بِكُمْ . وَيُرْوَى أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَلَغَ وَادِي النَّمْلِ حَبَسَ جُنُودَهُ حَتَّى دَخَلَ النَّمْلُ بُيُوتَهُمْ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية