الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ( 8 ) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ( 9 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَمَامِ عِلْمِهِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ مُحِيطٌ بِمَا تَحْمِلُهُ الْحَوَامِلُ مِنْ كُلِّ إِنَاثِ الْحَيَوَانَاتِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ) [ لُقْمَانَ : 34 ] أَيْ : مَا حَمَلَتْ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ أُنْثَى ، أَوْ حَسَنٍ أَوْ قَبِيحٍ ، أَوْ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ ، أَوْ طَوِيلِ الْعُمُرِ أَوْ قَصِيرُهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) [ النَّجْمِ : 32 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ) [ الزُّمَرِ : 6 ] أَيْ : خَلَقَكُمْ طَوْرًا مِنْ بَعْدِ طَوْرٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 - 14 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : يَكْتُبُ رِزْقَهُ ، وَعُمُرَهُ ، وَعَمَلَهُ ، وَشِقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ " . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " فَيَقُولُ الْمَلَكُ : أَيْ رَبِّ ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ أَيْ رَبِّ ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ فَمَا الرِّزْقُ ؟ فَمَا الْأَجَلُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ " . وَقَوْلُهُ : ( وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ : لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ " . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ ) يَعْنِي : السَقْطَ ( وَمَا تَزْدَادُ ) يَقُولُ : مَا زَادَتِ الرَّحِمَ فِي الْحَمْلِ عَلَى مَا غَاضَتْ حَتَّى وَلَدَتْهُ تَمَامًا . وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ تَحْمِلُ عَشْرَةَ أَشْهُرَ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَحْمِلُ تِسْعَةَ أَشْهُرَ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَزِيدُ فِي الْحَمْلِ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَنْقُصُ ، فَذَلِكَ الْغَيْضُ وَالزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ تَعَالَى . وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ) قَالَ : مَا نَقَصَتْ مِنْ تِسْعَةٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : وَضَعَتْنِي أُمِّي وَقَدْ حَمَلَتْنِي فِي بَطْنِهَا سَنَتَيْنِ ، وَوَلَدَتْنِي وَقَدْ نَبَتَتْ ثَنِيَّتِي . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَا يَكُونُ الْحَمْلُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ ، قَدْرَ مَا يَتَحَرَّكُ ظِلَّ مِغْزَلٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ) قَالَ : مَا تَرَى مِنَ الدَّمِ فِي حَمْلِهَا ، وَمَا تَزْدَادُ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ . وَبِهِ قَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَقَتَادَةُ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا : إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ دُونَ التِّسْعَةِ زَادَ عَلَى التِّسْعَةِ ، مِثْلَ أَيَّامِ الْحَيْضِ . وَقَالَهُ عِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا : ( وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ ) إِرَاقَةُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَخِسَّ الْوَلَدُ ( وَمَا تَزْدَادُ ) إِنْ لَمْ تُهْرِقِ الْمَرْأَةُ تَمَّ الْوَلَدُ وَعَظُمَ . وَقَالَ مَكْحُولٌ : الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَطْلُبُ ، وَلَا يَحْزَنُ وَلَا يَغْتَمُّ ، وَإِنَّمَا يَأْتِيهِ رِزْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ دَمِ حَيْضَتِهَا فَمِنْ ثَمَّ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ . فَإِذَا وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ اسْتَهَلَّ ، وَاسْتِهْلَالُهُ اسْتِنْكَارٌ لِمَكَانِهِ ، فَإِذَا قُطِعَتْ سُرَّتُهُ حَوَّلَ اللَّهُ رِزْقَهُ إِلَى ثَدْيَيْ أُمِّهِ حَتَّى لَا يَطْلُبَ وَلَا يَحْزَنَ وَلَا يَغْتَمَّ ، ثُمَّ يَصِيرُ طِفْلًا يَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ بِكَفِّهِ فَيَأْكُلُهُ ، فَإِذَا هُوَ بَلَغَ قَالَ : هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْقَتْلُ ، أَنَّى لِي بِالرِّزْقِ ؟ فَيَقُولُ مَكْحُولٌ : يَا وَيْلَكَ ! غَذَّاكَ وَأَنْتَ فِي بَطْنِ أُمِّكَ ، وَأَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَدْتَ وَعَقَلْتَ قُلْتَ : هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْقَتْلُ ، أَنَّى لِي بِالرِّزْقِ ؟ ثُمَّ قَرَأَ مَكْحُولٌ : ( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ) وَقَالَ قَتَادَةُ : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ) أَيْ : بِأَجْلٍ ، حَفِظَ أَرْزَاقَ خَلْقِهِ وَآجَالَهُمْ ، وَجَعَلَ لِذَلِكَ أَجَلًا مَعْلُومًا . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : أَنَّ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَتْ إِلَيْهِ : أَنَّ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ ، وَأَنَّهَا تُحِبُّ أَنْ يَحْضُرَهُ . فَبَعَثَ إِلَيْهَا يَقُولُ : " إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ ، وَلَهُ مَا أَعْطَى ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى ، فَمُرُوهَا فَلْتَصْبِرْ وَلِتَحْتَسِبْ " الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ وَقَوْلُهُ : ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) أَيْ : يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا يُشَاهِدُهُ الْعِبَادُ وَمِمَّا يَغِيبُ عَنْهُمْ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ . ) الْكَبِيرُ ) الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، ( الْمُتَعَالِ ) أَيْ : عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَقَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ وَدَانَ لَهُ الْعِبَادُ ، طَوْعًا وَكَرْهًا .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية