الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 3 ) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 ) ) لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَإِحْكَامِهِ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ ، فَقَالَ : ( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ) أَيْ : جَعَلَهَا مُتَّسِعَةً مُمْتَدَّةً فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، وَأَرْسَاهَا بِجِبَالٍ رَاسِيَاتٍ شَامِخَاتٍ ، وَأَجْرَى فِيهَا الْأَنْهَارَ وَالْجَدَاوِلَ وَالْعُيُونَ لِسَقْيِ مَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الثَّمَرَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ وَالطَّعُومِ وَالرَّوَائِحِ ، مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ، أَيْ : مِنْ كُلِّ شَكْلٍ صِنْفَانِ . ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ) أَيْ : جَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا يَطْلُبُ الْآخَرَ طَلَبًا حَثِيثًا ، فَإِذَا ذَهَبَ هَذَا غَشِيَهُ هَذَا ، وَإِذَا انْقَضَى هَذَا جَاءَ الْآخَرُ ، فَيَتَصَرَّفُ أَيْضًا فِي الزَّمَانِ كَمَا تَصَرَّفَ فِي الْمَكَانِ وَالسُّكَّانِ . ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) أَيْ : فِي آلَاءِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ وَدَلَائِلِهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ ) أَيْ : أَرَاضٍ تُجَاوِرُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ طَيِّبَةٌ تُنْبِتُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ ، وَهَذِهِ سَبَخَةٌ مَالِحَةٌ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا . هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ . وَكَذَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ اخْتِلَافُ أَلْوَانِ بِقَاعِ الْأَرْضِ ، فَهَذِهِ تُرْبَةٌ حَمْرَاءُ ، وَهَذِهِ بَيْضَاءُ ، وَهَذِهِ صَفْرَاءُ ، وَهَذِهِ سَوْدَاءُ ، وَهَذِهِ مُحَجَّرَةٌ وَهَذِهِ سَهْلَةٌ ، وَهَذِهِ مُرَمَّلَةٌ ، وَهَذِهِ سَمِيكَةٌ ، وَهَذِهِ رَقِيقَةٌ ، وَالْكُلُّ مُتَجَاوِرَاتٌ . فَهَذِهِ بِصِفَتِهَا ، وَهَذِهِ بِصِفَتِهَا الْأُخْرَى ، فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ . وَقَوْلُهُ : ( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً عَلَى ) جَنَّاتٍ ) فَيَكُونُ ( وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ) مَرْفُوعَيْنِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى أَعْنَابٍ ، فَيَكُونُ مَجْرُورًا; وَلِهَذَا قَرَأَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ . وَقَوْلُهُ : ( صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ) الصِّنْوَانُ : هِيَ الْأُصُولُ الْمُجْتَمِعَةُ فِي مَنْبَتٍ وَاحِدٍ ، كَالرُّمَّانِ وَالتِّينِ وَبَعْضِ النَّخِيلِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَغَيْرُ الصِّنْوَانِ : مَا كَانَ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ، كَسَائِرِ الْأَشْجَارِ ، وَمِنْهُ سُمِّي عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ : " أَمَّا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ؟ " . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، عَنْ أَبَى إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الصِّنْوَانُ : هِيَ النَّخْلَاتُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ ، وَغَيْرُ الصِّنْوَانِ : الْمُتَفَرِّقَاتُ . وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَقَوْلُهُ : ( يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) قَالَ : " الدَّقَلُ وَالْفَارِسِيُّ ، وَالْحُلْوُ وَالْحَامِضُ " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . أَيْ : هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي أَجْنَاسِ الثَّمَرَاتِ وَالزُّرُوعِ ، فِي أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا ، وَطَعُومِهَا وَرَوَائِحِهَا ، وَأَوْرَاقِهَا وَأَزْهَارِهَا . فَهَذَا فِي غَايَةِ الْحَلَاوَةِ وَذَا فِي غَايَةِ الْحُمُوضَةِ ، وَذَا فِي غَايَةِ الْمَرَارَةِ وَذَا عَفِصٌ ، وَهَذَا عَذْبٌ وَهَذَا جَمَعَ هَذَا وَهَذَا ، ثُمَّ يَسْتَحِيلُ إِلَى طَعْمٍ آخَرَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى . وَهَذَا أَصْفَرُ وَهَذَا أَحْمَرُ ، وَهَذَا أَبْيَضُ وَهَذَا أَسْوَدُ وَهَذَا أَزْرَقُ . وَكَذَلِكَ الزُّهُورَاتُ مَعَ أَنَّ كُلَّهَا يُسْتَمَدُّ مِنْ طَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ الْمَاءُ ، مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَنْحَصِرُ وَلَا يَنْضَبِطُ ، فَفِي ذَلِكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيًا ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَالَاتِ عَلَى الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ ، الَّذِي بِقُدْرَتِهِ فَاوَتَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَخَلَقَهَا عَلَى مَا يُرِيدُ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية