الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ( 38 ) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى نُوحٍ لَمَّا اسْتَعْجَلَ قَوْمُهُ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ وَعَذَابَهُ لَهُمْ ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ نُوحٌ دَعْوَتَهُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) [ نُوحٍ : 26 ] ، ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) [ الْقَمَرِ : 10 ] ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ : ( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا يَهُمَّنَّكَ أَمْرُهُمْ . ( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ ) يَعْنِي : السَّفِينَةَ ( بِأَعْيُنِنَا ) أَيْ : بِمَرْأَى مِنَّا ، ( وَوَحْيِنَا ) أَيْ : وَتَعْلِيمِنَا لَكَ مَاذَا تَصْنَعُهُ ، ( وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) . فَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَغْرِزَ الْخَشَبَ وَيُقَطِّعَهُ وَيُيَبِّسَهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي مِائَةِ سَنَةٍ ، وَنَجَرَهَا فِي مِائَةِ سَنَةٍ أُخْرَى ، وَقِيلَ : فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ التَّوْرَاةِ : أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَهَا مِنْ خَشَبِ السَّاجِ ، وَأَنْ يَجْعَلَ طُولَهَا ثَمَانِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا . وَأَنْ يَطْلِيَ بَاطِنَهَا وَظَاهِرَهَا بِالْقَارِ ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهَا جُؤْجُؤًا أَزْوَرَ يَشُقُّ الْمَاءَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ ، فِي عَرْضِ خَمْسِينَ . وَعَنِ الْحَسَنِ : طُولُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهَا ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ . وَعَنْهُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ : طُولُهَا أَلْفٌ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ ، فِي عَرْضِ سِتِّمِائَةٍ . وَقِيلَ : طُولُهَا أَلْفَا ذِرَاعٍ ، وَعَرْضُهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالُوا كُلُّهُمْ : وَكَانَ ارْتِفَاعُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا ، ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ ، كُلُّ طَبَقَةٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ ، فَالسُّفْلَى لِلدَّوَابِّ وَالْوُحُوشِ : وَالْوُسْطَى لِلْإِنْسِ : وَالْعُلْيَا لِلطُّيُورِ . وَكَانَ بَابُهَا فِي عَرْضِهَا ، وَلَهَا غِطَاءٌ مِنْ فَوْقِهَا مُطْبِقٌ عَلَيْهَا . وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ أَثَرًا غَرِيبًا ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّهُ قَالَ : قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ : لَوْ بَعَثْتَ لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ فَحَدَّثَنَا عَنْهَا . قَالَ : فَانْطَلَقَ بِهِمْ حَتَّى أَتَى إِلَى كَثِيبٍ مِنْ تُرَابٍ ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ بِكَفِّهِ ، قَالَ أَتُدْرُونَ مَا هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : هَذَا كَعْبُ حَامِ بْنِ نُوحٍ . قَالَ : وَضَرَبَ الْكَثِيبَ بِعَصَاهُ ، قَالَ : قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ ، قَدْ شَابَ . قَالَ لَهُ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : هَكَذَا هَلَكْتَ ؟ قَالَ : لَا . وَلَكِنِّي مُتُّ وَأَنَا شَابٌّ ، وَلَكِنَّنِي ظَنَنْتُ أَنَّهَا السَّاعَةُ ، فَمِنْ ثَمَّ شِبْتُ . قَالَ : حَدِّثْنَا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ ؟ قَالَ : كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ ، وَعَرْضُهَا سِتَّمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَكَانَتْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ ، فَطَبَقَةٌ فِيهَا الدَّوَابُّ وَالْوُحُوشُ ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الْإِنْسُ ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الطَّيْرُ ، فَلَمَّا كَثُرَ أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ ، أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نُوحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنِ اغْمِزْ ذَنَبَ الْفِيلِ ، فَغَمَزَهَ ، فَوَقَعَ مِنْهُ خِنْزِيرٌ وَخِنْزِيرَةٌ ، فَأَقْبَلَا عَلَى الرَّوْثِ ، فَلَمَّا وَقَعَ الْفَأْرُ بِخَرَزِ السَّفِينَةِ يُقْرِضُهُ وَحِبَالَهَا ، أَوْحَى إِلَى نُوحٍ; أَنِ اضْرِبْ بَيْنَ عَيْنَيِ الْأَسَدِ ، فَخَرَجَ مِنْ مَنْخَرِهِ سَنَّوْرٌ وَسَنَّوْرَةٌ ، فَأَقْبَلَا عَلَى الْفَأْرِ . فَقَالَ لَهُ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : كَيْفَ عَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ ؟ قَالَ : بَعَثَ الْغُرَابَ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ ، فَوَجَدَ جِيفَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، فَدَعَا عَلَيْهِ بِالْخَوْفِ ، فَلِذَلِكَ لَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ قَالَ : ثُمَّ بَعَثَ الْحَمَامَةَ ، فَجَاءَتْ بِوَرَقِ زَيْتُونٍ بِمِنْقَارِهَا ، وَطِينٍ بِرِجْلَيْهَا ، فَعَلِمَ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ . قَالَ : فَطَوَّقَهَا الْخُضْرَةَ الَّتِي فِي عُنُقِهَا ، وَدَعَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي أُنْسٍ وَأَمَانٍ ، فَمِنْ ثَمَّ تَأْلَفُ الْبُيُوتَ . قَالَ : فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَّا نَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى أَهْلِينَا فَيَجْلِسُ مَعَنَا وَيُحَدِّثُنَا ؟ قَالَ : كَيْفَ يَتْبَعُكُمْ مَنْ لَا رِزْقَ لَهُ ؟ قَالَ : فَقَالَ لَهُ : عُدْ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَعَادَ تُرَابًا وَقَوْلُهُ : ( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ) أَيْ : يَطْنِزُونَ بِهِ وَيُكَذِّبُونَ بِمَا يَتَوَعَّدُهُمْ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ ، ( قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) وَعِيدٌ شَدِيدٌ ، وَتَهْدِيدٌ أَكِيدٌ ، ( مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ) أَيْ : يُهِنْهُ فِي الدُّنْيَا ، ( وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) أَيْ : دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية