الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ( 3 ) ) يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَادِحًا نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ ، وَحَامِدًا لَهَا عَلَى خَلْقِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَرَارًا لِعِبَادِهِ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ مَنْفَعَةً لِعِبَادِهِ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ ، فَجَمَعَ لَفْظَ " الظُّلُمَاتِ " وَوَحَّدَ لَفْظَ " النُّورَ " ; لِكَوْنِهِ أَشْرَفَ ، كَمَا قَالَ ( عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ) [ النَّحْلِ : 48 ] ، وَكَمَا قَالَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) [ الْأَنْعَامِ : 153 ] . وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) أَيْ : وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَفَرَ بِهِ بَعْضُ عِبَادِهِ ، وَجَعَلُوا مَعَهُ شَرِيكًا وَعِدْلًا وَاتَّخَذُوا لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَقَوْلُهُ : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ) يَعْنِي : أَبَاهُمْ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُمْ وَمِنْهُ خَرَجُوا ، فَانْتَشَرُوا فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ . وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ) يَعْنِي : الْمَوْتَ ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) يَعْنِي : الْآخِرَةَ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَعَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَغَيْرِهِمْ . وَقَوْلُ الْحَسَنِ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ) قَالَ : مَا بَيْنَ أَنْ يُخْلَقَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) مَا بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ - هُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ تَقْدِيرُ الْأَجَلِ الْخَاصِّ ، وَهُوَ عُمُرُ كُلِّ إِنْسَانٍ ، وَتَقْدِيرُ الْأَجَلِ الْعَامِّ ، وَهُوَ عُمُرُ الدُّنْيَا بِكَمَالِهَا ثُمَّ انْتِهَائِهَا وَانْقِضَائِهَا وَزَوَالِهَا ، [ وَانْتِقَالِهَا ] وَالْمَصِيرُ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ : ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ) يَعْنِي : مُدَّةَ الدُّنْيَا ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) يَعْنِي : عُمُرَ الْإِنْسَانِ إِلَى حِينِ مَوْتِهِ ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا : ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ) الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 60 ] . وَقَالَ عَطِيَّةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ) يَعْنِي : النَّوْمَ ، يَقْبِضُ فِيهِ الرُّوحَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ الْيَقَظَةِ ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) يَعْنِي : أَجَلَ مَوْتِ الْإِنْسَانِ ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( عِنْدَهُ ) أَيْ : لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ) [ الْأَعْرَافِ : 187 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ) [ النَّازِعَاتِ : 42 - 44 ] . وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ) قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ : يَعْنِي تَشُكُّونَ فِي أَمْرِ السَّاعَةِ . وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) اخْتَلَفَ مُفَسِّرُو هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَقْوَالٍ ، بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَخْطِئَةِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الْأَوَّلِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ - تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا - فِي كُلِّ مَكَانٍ ; حَيْثُ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ الْمَدْعُوُّ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ، أَيْ : يَعْبُدُهُ وَيُوَحِّدُهُ وَيُقِرُّ لَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَيُسَمُّونَهُ اللَّهَ ، وَيَدْعُونَهُ رَغَبًا وَرَهَبًا ، إِلَّا مَنْ كَفَرَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ) [ الزُّخْرُفِ : 84 ] ، أَيْ : هُوَ إِلَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ) خَبَرًا أَوْ حَالًا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، مِنْ سِرٍّ وَجَهْرٍ . فَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( يَعْلَمُ ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ : ( فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ) تَقْدِيرُهُ : وَهُوَ اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ ) وَقْفٌ تَامٌّ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْخَبَرَ فَقَالَ : ( وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَقَوْلُهُ : ( وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) أَيْ : جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية