الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ( 21 ) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( 22 ) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ ، كَمَا قَالَ : ( لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ) [ الْحَشْرِ : 20 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ) أَيْ : عَمِلُوهَا وَكَسَبُوهَا ( أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ) أَيْ : نُسَاوِيهِمْ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ! ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) أَيْ : سَاءَ مَا ظَنُّوا بِنَا وَبِعَدْلِنَا أَنْ نُسَاوِيَ بَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَفِي هَذِهِ الدَّارِ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ الْبَاجِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ بَنَى دِينَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِنَّ لَقِيَ اللَّهَ [ وَهُوَ ] مِنَ الْفَاسِقِينَ . قِيلَ : وَمَا هُنَّ يَا أَبَا ذَرٍّ ؟ قَالَ : يُسْلِمُ حَلَالَ اللَّهِ لِلَّهِ ، وَحَرَامَ اللَّهِ لِلَّهِ ، وَأَمْرَ اللَّهِ لِلَّهِ ، وَنَهْيَ اللَّهِ لِلَّهِ ، لَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِنَّ إِلَّا اللَّهُ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كَمَا أَنَّهُ لَا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ الْعِنَبُ ، كَذَلِكَ لَا يَنَالُ الْفُجَّارُ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ " السِّيرَةُ " أَنَّهُمْ وَجَدُوا حَجَرًا بِمَكَّةَ فِي أُسِّ الْكَعْبَةِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ : تَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ وَتَرْجُونَ الْحَسَنَاتِ ؟ أَجَلْ كَمَا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ الْعِنَبُ . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ، وَقَالَ ( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ) أَيْ : بِالْعَدْلِ ، ( وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) . ثُمَّ قَالَ [ تَعَالَى ] ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) أَيْ : إِنَّمَا يَأْتَمِرُ بِهَوَاهُ ، فَمَهْمَا رَآهُ حَسَنًا فَعَلَهُ ، وَمَهْمَا رَآهُ قَبِيحًا تَرَكَهُ : وَهَذَا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ . وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ : لَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا عَبَدَهُ . وَقَوْلُهُ : ( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) يَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ . وَالْآخَرُ : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْعِلْمِ إِلَيْهِ ، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ ، وَلَا يَنْعَكِسُ . ( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) أَيْ : فَلَا يَسْمَعُ مَا يَنْفَعُهُ ، وَلَا يَعِي شَيْئًا يَهْتَدِي بِهِ ، وَلَا يَرَى حُجَّةً يَسْتَضِيءُ بِهَا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) كَقَوْلِهِ : ( مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 186 ] .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية