الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    تَفْسِيرُ سُورَةِ الْفُرْقَانِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ( 2 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى حَامِدًا نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ عَلَى مَا نَزَّلَهُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ) [ الْكَهْفِ : 1 - 3 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( تَبَارَكَ ) وَهُوَ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ الدَّائِمَةِ الثَّابِتَةِ ( الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ) نَزَّلَ : فَعَّلَ ، مِنَ التَّكَرُّرِ ، وَالتَّكَثُّرِ ، كَمَا قَالَ : ( وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ) [ النِّسَاءِ : 136 ] ; لِأَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ كَانَتْ تَنْزِلُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ، وَالْقُرْآنُ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقاً مُفَصَّلًا آيَاتٍ بَعْدَ آيَاتٍ ، وَأَحْكَامًا بَعْدَ أَحْكَامٍ ، وَسُورًا بَعْدَ سُوَرٍ ، وَهَذَا أَشَدُّ وَأَبْلَغُ ، وَأَشَدُّ اعْتِنَاءً بِمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ السُّورَةِ : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) [ الْفَرْقَانِ : 32 ، 33 ] . وَلِهَذَا سَمَّاهُ هَاهُنَا الْفُرْقَانَ; لِأَنَّهُ يَفْرِقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ . وَقَوْلُهُ : ( عَلَى عَبْدِهِ ) : هَذِهِ صِفَةُ مَدْحٍ وَثَنَاءٍ; لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى عُبُودِيَّتِهِ ، كَمَا وَصَفَهُ بِهَا فِي أَشْرَفِ أَحْوَالِهِ ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ ، فَقَالَ : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 1 ] ، وَكَمَا وَصَفَهُ بِذَلِكَ فِي مَقَامِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) [ الْجِنِّ : 19 ] ، وَكَذَلِكَ وَصَفَهُ عِنْدَ إِنْزَالِ الْكِتَابِ عَلَيْهِ وَنُزُولِ الْمَلَكِ إِلَيْهِ ، فَقَالَ ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) . وَقَوْلُهُ : ( لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) أَيْ : إِنَّمَا خَصَّهُ بِهَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ الْمُبِينِ الْمُفَصَّلِ الْمُحْكَمِ الَّذِي : ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 42 ] ، الَّذِي جَعَلَهُ فُرْقَانًا عَظِيمًا - إِنَّمَا خَصَّهُ بِهِ لِيَخُصَّهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَى مَنْ يَسْتَظِلُّ بِالْخَضْرَاءِ ، وَيَسْتَقِلُّ عَلَى الْغَبْرَاءِ ، كَمَا قَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - " بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ " . وَقَالَ : " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي " ، فَذَكَرَ مِنْهُنَّ : أَنَّهُ " كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً " ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ) [ الْأَعْرَافِ : 158 ] أَيِ : الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ ، وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) ، فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الْوَلَدِ ، وَعَنِ الشَّرِيكِ . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) أَيْ : كُلُّ شَيْءٍ مِمَّا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ ، وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَإِلَهُهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ [ وَتَسْخِيرِهِ ] ، وَتَدْبِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية