الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            منتقى الأخبار كِتَابُ الْوَقْفِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ } رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ ) . 2505 - ( وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ : { أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْت أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ شِئْتَ حَبَسْت أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا ، فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ عَلَى أَنْ لَا تُبَاعَ وَلَا تُوهَبَ وَلَا تُورَثَ ، فِي الْفُقَرَاءِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ وَفِي لَفْظٍ : غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا } . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ : لَيْسَ عَلَى الْوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا لَهُ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ ، قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ ، وَيُهْدِي لِنَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ : أَنَّ مَنْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى صِنْفٍ مِنْ النَّاسِ وَوَلَدُهُ مِنْهُمْ دَخَلَ فِيهِ ) 2506 - ( وَعَنْ عُثْمَانَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ ، فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ فِيهَا دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِيهِ جَوَازُ انْتِفَاعِ الْوَاقِفِ بِوَقْفِهِ الْعَامِّ ) . نيل الأوطار حَدِيثُ عُثْمَانَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا تَعْلِيقًا قَوْلُهُ : ( إلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ عَمَلَ الْمَيِّتِ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ وَيَنْقَطِعُ تَجَدُّدُ الثَّوَابِ لَهُ إلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ كَاسِبَهَا ، فَإِنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ ، وَكَذَا مَا يُخَلِّفُهُ مِنْ الْعِلْمِ كَالتَّصْنِيفِ وَالتَّعْلِيمِ ، وَكَذَا الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ وَهِيَ الْوَقْفُ . وَفِيهِ الْإِرْشَادُ إلَى فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ وَالْعِلْمِ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِهِ ، وَالتَّزَوُّجِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ حُدُوثِ الْأَوْلَادِ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا وَرَدَ مَوْرِدَهُ فِي بَابِ وُصُولِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ الْمُهْدَاةِ إلَى الْمَوْتَى مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، قَوْلُهُ : ( أَرْضًا بِخَيْبَرَ ) هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِثَمَغَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَثَمَغُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ ، وَقِيلَ : بِسُكُونِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ قَوْلُهُ : ( أَنْفَسَ مِنْهُ ) النَّفِيسُ : الْجَيِّدُ . قَالَ الدَّاوُدِيُّ : سُمِّيَ نَفِيسًا لِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ قَوْلُهُ : ( وَتَصَدَّقْت بِهَا ) أَيْ بِمَنْفَعَتِهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : " حَبِّسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا " وَفِي أُخْرَى لَهُ " تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ وَحَبِّسْ أَصْلَهُ " . ( قَوْلُهُ وَلَا يُورَثُ ) زَادَ الدَّارَقُطْنِيّ : " حَبِيسٌ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ : " تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ وَحَبِّسْ أَصْلَهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ " قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُمَرَ وَفِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ } وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي الْمُزَارَعَةِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : { تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ فَتَتَصَدَّقْ بِهِ } فَهَذَا صَرِيحٌ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ عُمَرَ شَرَطَ ذَلِكَ الشَّرْطَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ ، فَمِنْ الرُّوَاةِ مَنْ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَهُ عَلَى عُمَرَ لِوُقُوعِهِ مِنْهُ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ قَوْلُهُ : ( وَذَوِي الْقُرْبَى ) قَالَ فِي الْفَتْحِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ ذُكِرَ فِي الْخُمْسِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ قُرْبَى الْوَاقِفِ ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ قَوْلُهُ : ( وَالضَّيْفُ ) هُوَ مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ يُرِيدُ الْقُرْبَى . قَوْلُهُ : ( أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ ) قِيلَ : الْمَعْرُوفُ هُنَا هُوَ مَا ذُكِرَ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ مَا يَحِلُّ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ مِنْ كِتَابِ التَّفْلِيسِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعَامِلَ يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَةِ الْوَاقِفِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَأْكُلُ لَاسْتُقْبِحَ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْرُ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ . وَقِيلَ : الْقَدْرُ الَّذِي يَدْفَعُ الشَّهْوَةَ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى كَذَا فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ : ( غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ ) أَيْ غَيْرَ مُتَّخِذِ مِنْهَا مَالًا : أَيْ مِلْكًا قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ شَيْئًا مِنْ رِقَابِهَا قَوْلُهُ : ( غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ ) بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ ، وَهُوَ اتِّخَاذُ أَصْلِ الْمَالِ حَتَّى كَأَنَّهُ عِنْدَهُ قَدِيمٌ ، وَأَثْلَةُ كُلِّ شَيْءٍ : أَصْلُهُ قَوْلُهُ : ( قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ ) أَيْ : فِي رِوَايَتِهِ لَهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَمَا جَزَمَ بِذَلِكَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ) هُوَ مَوْصُولُ الْإِسْنَادِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَوْلُهُ : ( لِنَاسٍ ) بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُمْ آلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيد بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُهْدِي مِنْهُ أَخْذًا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ : وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَطْعَمَهُمْ مِنْ نَصِيبِهِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ ، فَكَانَ يُؤَخِّرُهُ لِيُهْدِيَ لِأَصْحَابِهِ مِنْهُ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَحَدِيثُ عُمَرَ هَذَا أَصْلٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْوَقْفِ وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَوَّلُ صَدَقَةٍ - أَيْ مَوْقُوفَةٍ - كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ صَدَقَةُ عُمَرَ وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ { عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ : سَأَلْنَا عَنْ أَوَّلِ حَبْسٍ فِي الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : صَدَقَةُ عُمَرَ ، وَقَالَ الْأَنْصَارُ : صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، } وَفِي إسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ وَفِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ مَوْقُوفَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ أَرَاضِيَ مُخَيْرِيقٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا الَّتِي أُوصِيَ بِهَا إلَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَفَهَا وَقَدْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ الْوَقْفِ وَلُزُومِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي جَوَازِ وَقْفِ الْأَرَضِينَ وَجَاءَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْحَبْسَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُ وَخَالَفَهُ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ إلَّا زُفَرَ وَقَدْ حَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ بَلَغَ أَبَا حَنِيفَةَ لَقَالَ بِهِ وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَبِّسْ أَصْلَهَا " لَا يَسْتَلْزِمُ التَّأْبِيدَ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مُدَّةَ اخْتِيَارِهِ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ : " وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ " إلَّا التَّأْبِيدَ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ مَنْ يَذْهَبُ إلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا : " حَبْسٌ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : رَادُّ الْوَقْفِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ انْتَهَى وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هُنَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ حَدِيثُ : { أَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ حَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : " صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ " يُشْعِرُ بِأَنَّ الْوَقْفَ يَلْزَمُ وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ ، وَلَوْ جَازَ النَّقْضُ لَكَانَ الْوَقْفُ صَدَقَةً مُنْقَطِعَةً ، وَقَدْ وَصَفَهُ فِي الْحَدِيثِ بِعَدَمِ الِانْقِطَاعِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ " كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنَّ هَذَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانٌ لِمَاهِيَّةِ التَّحْبِيسِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا عُمَرَ ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ لُزُومَ الْوَقْفِ وَعَدَمِ جَوَازِ نَقْضِهِ ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَحْبِيسًا ، وَالْمَفْرُوضُ أَنَّهُ تَحْبِيسٌ ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُأَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا : { خَيْرُ مَا يُخَلِّفُهُ الرَّجُلُ بَعْدَهُ ثَلَاثٌ : وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ، وَصَدَقَةٌ تَجْرِي يَبْلُغُهُ أَجْرُهَا ، وَعِلْمٌ يُعْمَلُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ } وَالْجَرْيُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ جَوَازِ النَّقْضِ مِنْ الْغَيْرِ ، وَمِنْ ذَلِكَ وَقْفُ أَبِي طَلْحَةَ الْآتِي وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ : { أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ } وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ : " أَنَّ حَسَّانَ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْهُ " فَمَعَ كَوْنِ فِعْلِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ وَقْفُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ وَسَعِيدٌ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَأَنَسٌ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ وَمِنْهُ أَيْضًا وَقْفُ عُثْمَانَ لِبِئْرِ رُومَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ : لَا حَبْسَ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ } وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ ابْنَ لَهِيعَةَ وَلَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبْسِ الْمَذْكُورِ : تَوْقِيفُ الْمَالِ عَنْ وَارِثِهِ وَعَدَمِ إطْلَاقِهِ إلَى يَدِهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ : أَرَادَ حَبْسَ الْجَاهِلِيَّةِ لِلسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ سَلَّمْنَا فَلَيْسَ فِي آيَةِ الْمِيرَاثِ مَنْعُ الْوَقْفِ لِافْتِرَاقِهِمَا انْتَهَى وَأَيْضًا لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَبْسُ الشَّامِلُ لِلْوَقْفِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لَكَانَ مُخَصَّصًا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ وَاحْتُجَّ لَهُمْ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ لُزُومِ حُكْمِ الْوَقْفِ بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ : ( أَنَّ عُمَرَ قَالَ : لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْت صَدَقَتِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَدَدْتهَا ) وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ عَنْهُ ، وَأَنَّ الَّذِي مَنَعَ عُمَرَ مِنْ الرُّجُوعِ كَوْنُهُ ذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَرِهَ أَنْ يُفَارِقَهُ عَلَى أَمْرٍ ثُمَّ يُخَالِفَهُ إلَى غَيْرِهِ ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَأَفْعَالِهِمْ إلَّا إذَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقَعْ هَهُنَا وَأَيْضًا الْأَثَرُ مُنْقَطِعٌ ، لِأَنَّ الزُّهْرِيُّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ فَالْحَقُّ أَنَّ الْوَقْفَ مِنْ الْقُرُبَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ نَقْضُهَا بَعْدَ فِعْلِهَا لَا لِلْوَاقِفِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَقَدْ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَنْفُذُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَإِلَّا فَلِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَمِنْ شَرْطِهَا الْقَبْضُ ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ بَعْدَ التَّحْبِيسِ قَدْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ ، وَإِلْحَاقُهُ بِالصَّدَقَةِ إلْحَاقٌ مَعَ الْفَارِقِ قَوْلُهُ : ( مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَغَوِيِّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ : { أَنَّهَا كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا : رُومَةُ ، وَكَانَ يَبِيعُ مِنْهَا الْقِرْبَةَ بِمُدٍّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَبِيعُنِيهَا بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي وَلَا لِعِيَالِي غَيْرُهَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ ، فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَتَجْعَلُ لِي مَا جَعَلْت لَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَدْ جَعَلْتهَا لِلْمُسْلِمِينَ } وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْنَفِ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ : " اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَأَجْرُهَا لَك " وَزَادَ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ مَحْصُورٌ وَصَدَّقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَوْلُهُ : ( فَيَجْعَلَ فِيهَا دَلْوُهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ نَصِيبًا مِنْ الْوَقْفِ وَيُؤَيِّدُهُ جَعْلُ عُمَرَ لِمَنْ وَلِيَ وَقَفَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّاظِرُ أَوْ غَيْرُهُ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ فِي الْأَرْجَحِ عَنْهُ ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى الْمَنْعِ إلَّا إذَا اسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا يُتَّهَمُ أَنَّهُ قَصَدَ حِرْمَانَ وَرَثَتِهِ وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَطَائِفَةٌ وَصَنَّفَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ جُزْءًا ضَخْمًا وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقُصَّةِ عُمَرَ هَذِهِ ، وَبِقُصَّةِ رَاكِبِ الْبَدَنَةِ ، وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا } وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ وَرَدَّهَا إلَيْهِ بِالشَّرْطِ ا هـ وَقَدْ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ جَوَازُ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ عَنْ الْعِتْرَةِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَالزُّبَيْرِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ وَالنَّاصِرِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى النَّفْسِ ، قَالُوا : لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَبِّلْ الثَّمَرَةَ " وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ : تَمْلِيكُهَا لِلْغَيْرِ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ ، وَمَنْعُهُ تَمْلِيكُهُ لِنَفْسِهِ إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ ، وَالْفَائِدَةُ فِي الْوَقْفِ حَاصِلَةٌ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ إيَّاهُ مِلْكًا غَيْرُ اسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهُ وَقْفًا ا هـ وَيُؤَيِّدُ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ حَدِيثُ { الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عِنْدِي دِينَارٌ ، فَقَالَ : تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى نَفْسِك } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَقْفِ تَحْصِيلُ الْقُرْبَةِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِالصَّرْفِ إلَى النَّفْسِ

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية