الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            منتقى الأخبار بَابُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَإِطَالَةِ الْغُرَّةِ 182 - ( { عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : هَلُمَّ أَتَوَضَّأُ لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَافِ الْعَضُدَيْنِ ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِيَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَلِحْيَتِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ) . نيل الأوطار الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ عَنْعَنَ . قَوْلُهُ : ( هَلُمَّ ) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى قَرِّبْ جَاءَ لَازِمًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { هَلُمَّ إِلَيْنَا } وَمُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ } وَيَسْتَوِي فِيهِ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ الْوَاحِدُ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فَيُقَالُ : هَلُمَّ يَا رَجُلُ ، وَهَلُمَّ يَا رِجَالُ ، وَهَلُمَّ يَا امْرَأَةُ ، وَفِي لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ يَتَغَيَّرُ كَتَغَيُّرِ أَمْرِ الْمُخَاطَبِ نَحْوَ هَلُمَّا وَهَلُمُّوا وَهَلُمِّي . قَوْلُهُ : ( حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُثْمَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ) إطْلَاقُ الْمَسْحِ لِيُشْعِرَ بِعَدَمِ التَّكْرَارِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَمَرَ بِيَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ ) دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَسَيَأْتِي لَهُ بَابٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ . قَوْلُهُ : ( وَلِحْيَتِهِ ) قَدْ بَسَطْنَا الْبَحْثَ فِيهِ فِي بَابِ اسْتِحْبَابِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ . 183 - ( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ، وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتُمْ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إسْبَاغِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ } . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) . قَوْلُهُ : ( أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ وَأَشْرَعَ فِي السَّاقِ ) مَعْنَاهُ أَدْخَلَ الْغَسْلَ فِيهِمَا ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ : ( أَنْتُمْ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْغُرَّةُ : بَيَاضٌ فِي جَبْهَةِ الْفَرَسِ ، وَالتَّحْجِيلُ : بَيَاضٌ فِي يَدِهَا وَرِجْلِهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : سُمِّيَ النُّورُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : غُرَّةً وَتَحْجِيلًا تَشْبِيهًا بِغُرَّةِ الْفَرَسِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ مُصَرِّحٌ بِاسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ . وَالْغُرَّةُ : غَسْلُ شَيْءٍ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ أَوْ مَا يُجَاوِزُ الْوَجْهَ زَائِدًا عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ . وَالتَّحْجِيلُ : غَسْلُ مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ وَهُمَا مُسْتَحَبَّانِ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا : أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ : وَالثَّانِي إلَى نِصْفِ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ . وَالثَّالِثُ : إلَى الْمَنْكِبِ وَالرُّكْبَتَيْنِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَقْتَضِي هَذَا كُلُّهُ قَالَ : وَأَمَّا دَعْوَى الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ بَطَّالٍ الْمَالِكِيِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ ، اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ فَوْقَ الْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ فَبَاطِلَةٌ ، وَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَاهُمَا وَقَدْ ثَبَتَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا ، وَلَوْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ خَالَفَ كَانَ مَحْجُوجًا بِهَذِهِ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ ) فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ زَادَ فِي عَدَدِ الْمَرَّاتِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَقَدْ ادَّعَى ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَتَبِعَهُ الْقَاضِي ، تَفَرُّدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا يَعْنِي الْغَسْلَ إلَى الْآبَاطِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، فَقَالَ : قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ رُبَّمَا بَلَغَ بِالْوُضُوءِ إبْطَيْهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادٍ أَصَحَّ مِنْ هَذَا فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ . قَوْلُهُ : ( فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ ) تَعْلِيقُ الْأَمْرِ بِإِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ بِالِاسْتِطَاعَةِ قَرِينَةٌ قَاضِيَةٌ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْهَبْ إلَى إيجَابِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ . قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ وُجُوبُ غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ لِأَنَّ نَصَّ الْكِتَابِ يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ مُجْمَلٌ فِيهِ ، وَفِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ وَمُجَاوَزَتُهُ لِلْمِرْفَقِ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الْإِجْمَالِ لِيَجِبْ بِذَلِكَ انْتَهَى . وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الْوُضُوءِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية