الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 448 - قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، وَهُوَ مَجْنُونُ لَيْلَى: وَقِيلَ: قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَقِيلَ: اسْمُهُ الْبُحْتُرِيُّ بْنُ الْجَعْدِيِّ ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي جَعْدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَنِي عَقِيلِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ . وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ وُجُودَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْمُثْبِتِ . وَأَمَّا لَيْلَى فَهِيَ بِنْتُ مَهْدِيٍّ ، وَقِيلَ: بِنْتُ وَرْدٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ . وَتُكَنَّى أُمَّ مَالِكٍ ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ وَأَظْرَفِهِنَّ وَأَحْسَنِهِنَّ جِسْمًا وَعَقْلًا وَأَدَبًا وَشَكْلًا . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ دَأْبٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ يُقَالُ لَهُ: رَبَاحٌ ، قَالَ: كَانَ فِي بَنِي عَامِرٍ جَارِيَةٌ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ ، لَهَا عَقْلٌ وَأَدَبٌ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى بِنْتُ مَهْدِيٍّ ، فَبَلَغَ الْمَجْنُونَ خَبَرُهَا وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِمَالِ وَالْعَقْلِ ، وَكَانَ صَبًا بِمُحَادَثَةِ النِّسَاءِ ، فَعَمَدَ إِلَى أَحْسَنِ ثِيَابِهِ فَلَبِسَهَا وَتَهَيَّأَ ، فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهَا وَتَحَدَّثَ بَيْنَ يَدَيْهَا أَعْجَبَتْهُ وَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ ، فَظَلَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ يُحَدِّثُهَا وَتُحَدِّثُهُ حَتَّى أَمْسَى ، فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ مَضَى إِلَيْهَا فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهَا حَتَّى أَمْسَى ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَبَاتَ بِأَطْوَلَ مِنْ لَيْلَتِهِ الْأُولَى ، وَجُهِدَ أَنْ يُغْمِضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: نَهَارِي نَهَارُ النَّاسِ حَتَّى إِذَا بَدَا لِي اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إِلَيْكِ الْمَضَاجِعُ أُقَضِّي نَهَارِي بِالْحَدِيثِ وَبِالْمُنَى وَيَجْمَعُنِي وَالْهَمَّ بِاللَّيْلِ جَامِعُ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِثْلُ الَّذِي وَقَعَ فِي قَلْبِهِ لَهَا ، فَجَاءَ يَوْمًا يُحَدِّثُهَا ، فَجَعَلَتْ تُعْرِضُ عَنْهُ وَتُقْبِلُ عَلَى غَيْرِهِ ، تُرِيدُ أَنْ تَمْتَحِنَهُ وَتَعْلَمَ مَا لَهَا فِي قَلْبِهِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَجَزِعَ ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: كِلَانَا مُظْهِرٌ لِلنَّاسِ بُغْضًا وَكُلٌّ عِنْدِ صَاحِبِهِ مَكِينُ فَسُرِّيَ عَنْهُ ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَمْتَحِنَكَ ، وَالَّذِي لَكَ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي لِي عِنْدَكَ ، وَأَنَا مُعْطِيَةٌ اللَّهَ عَهْدًا إِنْ أَنَا جَالَسْتُ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا رَجُلًا سِوَاكَ حَتَّى أَذُوقَ الْمَوْتَ إِلَّا أَنْ أُكْرَهَ عَلَى ذَلِكَ ، فَانْصَرَفَ وَهُوَ أَسَرُّ النَّاسِ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَظُنُّ هَوَاهَا تَارِكِي بِمَضَلَّةٍ مِنَ الْأَرْضِ لَا مَالٌ لَدَيَّ وَلَا أَهْلُ وَلَا أَحَدٌ أُفْضِي إِلَيْهِ وَصِيَّتِي وَلَا صَاحِبٌ إِلَّا الْمَطِيَّةُ وَالرَّحْلُ [مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الْأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا وَحَلَّتْ مَكَانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ] وَقَدْ رُوِيَ لَنَا فِي بِدَايَةِ مَعْرِفَتِهَا قَوْلٌ آخَرُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَصْرٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ: قَالَ الْعُمَرِيُّ ، عَنْ لَقِيطِ بْنِ بُكَيْرٍ الْمُحَارِبِيِّ: إِنَّ الْمَجْنُونَ عَلَقَ لَيْلَى عَلَاقَةَ الصَّبِيِّ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا صَغِيرَيْنِ يَرْعَيَانِ أَغْنَامًا لِقَوْمِهِمَا ، فَتَعَلَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، إِلَّا أَنَّ الْمَجْنُونَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهَا [فَلَمْ يَزَالَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَبِرَا] ، فَلَمَّا عُلِمَ بِأَمْرِهِمَا حُجِبَتْ لَيْلَى عَنْهُ فَزَالَ عَقْلُهُ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: تَعَلَّقْتُ لَيْلَى وَهِيَ ذَاتُ ذُؤَابَةٍ وَلَمْ يَبْدُ لِلْأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبَهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا إِلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ الْبَهْمُ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ الْمَجْنُونُ يَجْلِسُ فِي نَادِيَةِ قَوْمِهِ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ ، فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَيُحَدِّثُهُ وَهُوَ بَاهِتٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ لَا يَفْهَمُ مَا يُحَدِّثُهُ بِهِ ، ثُمَّ يَثُوبُ عَقْلُهُ فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَدِيثِ فَلَا يَعْرِفُهُ . فَحَدَّثَهُ مَرَّةً بَعْضُ أَهْلِهِ بِحَدِيثٍ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهُ فِي غَدَاةِ غَدٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُ ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَجْلِسُ فِي النَّادِي أُحَدِّثُهُمْ فَأَسْتَفِيقُ وَقَدْ غَالَتْنِي الْغُولُ يَهْوِي بِقَلْبِي حَدِيثُ النَّفْسِ نَحْوَكُمُ حَتَّى يَقُولَ جَلِيسِي أَنْتَ مَخْبُولُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَتَزَايَدَ الْأَمْرُ بِهِ حَتَّى فَقَدَ عَقْلَهُ ، فَكَانَ لَا يَقَرُّ فِي مَوْضِعٍ ، وَلَا يَأْوِيهِ رَحْلٌ وَلَا يَعْلُوهُ ثَوْبٌ إِلَّا مَزَّقَهُ ، وَصَارَ لَا يَفْهَمُ شَيْئًا مِمَّا يُكَلَّمُ بِهِ إِلَّا أَنْ تُذْكَرَ لَهُ لَيْلَى ، فَإِذَا ذُكِرَتْ أَتَى بِالْبِدَايَةِ ، فَيَرْجِعُ عَقْلُهُ . وَ[قَدْ] رُوِّينَا أَنَّ قَوْمَ لَيْلَى شَكَوْا مِنْهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَهْدَرَ دَمَهُ ، فَقَالَ: الْمَوْتُ أَرَوْحُ لِي ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَطْلُبُ غِرَّتْهُمْ ، فَرَحَلُوا ، فَجَاءَ فَأَشْرَفَ فَرَأَى دِيَارَهُمْ بِلَاقِعَ ، فَقَصَدَ مَنْزِلَ لَيْلَى فَأَلْصَقَ صَدْرَهُ بِهِ وَجَعَلَ يُمَرِّغُ خَدَّيْهِ عَلَى تُرَابِهِ ، وَيَقُولُ: أَيَا حَرَجَاتِ الْحَيِّ حَيْثُ تَحَمَّلُوا بِذِي سَلَمٍ لَا جَادَكُنَّ رَبِيعُ وَخَيْمَاتُكِ اللَّاتِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى بُلَيْنَ بِلًى لَمْ تُبْلَهُنَّ رُبُوعُ نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي نَدَامَةً كَمَا يَنْدَمُ الْمَغْبُونُ حِينَ يَبِيعُ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ بَنِي عَامِرٍ: إِنَّ الْمَجْنُونَ لَقِيَ لَيْلَى وَقَوْمَهَا قَدْ رَحَلُوا ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ ، فَأَقْبَلَ فِتْيَانُ الْحَيِّ فَمَسَحُوا وَجْهَهُ وَأَسْنَدُوهُ إِلَى صُدُورِهِمْ ، وَسَأَلُوا لَيْلَى أَنْ تَقِفَ لَهُ ، فَقَالَتْ: لَا يَجُوزُ أَنْ أَفْتَضِحَ ، وَلَكِنْ يَا فُلَانَةُ -لِأَمَةٍ لَهَا- اذْهَبِي إِلَيْهِ وَقُولِي لَهُ: لَيْلَى تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ ، وَتَقُولُ لَكَ أُعْزِزْ عَلَيَّ بِمَا أَنْتَ فِيهِ ، وَلَوْ وَجَدْتُ سَبِيلًا إِلَى شِفَاءِ دَائِكَ لَوَقَيْتُكَ بِنَفْسِي ، فَمَضَتْ فَأَخْبَرَتْهُ ، فَقَالَ: أَبْلِغِيهَا السَّلَامَ وَقُولِي لَهَا: إِنَّ دَائِي وَدَوَائِي أَنْتِ ، وَقَدْ وَكَّلْتِ بِي شَقَاءً طَوِيلًا وَبَكَى ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: وَكَيْفَ تَرَى لَيْلَى تَقُولُ رِجَالُ الْحَيِّ تَطْمَعُ أَنْ تَرَى . . . أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: لَمَّا ظَهَرَ مِنَ الْمَجْنُونِ مَا ظَهَرَ ، وَرَأَى قَوْمُهُ مَا ابْتُلِيَ بِهِ اجْتَمَعُوا إِلَى أَبِيهِ وَقَالُوا: يَا هَذَا ، قَدْ تَرَى مَا ابْتُلِيَ ابْنُكَ بِهِ ، فَلَوْ خَرَجْتَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَعَاذَ بِبَيْتِ اللَّهِ ، وَزَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَجَوْنَا أَنْ يَرْجِعَ عَقْلُهُ وَيُعَافِيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَخَرَجَ أَبُوهُ حَتَّى أَتَى إِلَى مَكَّةَ ، فَجَعَلَ يَطُوفُ [بِهِ] وَيَدْعُو لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَهُوَ يَقُولُ: دَعَا الْمُجْرِمُونَ اللَّهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ بِمَكَّةَ وَهْنًا أَنْ تُمْحَى ذُنُوبُهَا فَنَادَيْتُ أَنْ يَا رَبِّ أَوَّلُ سُولَتِي لِنَفْسِي لَيْلَى ثُمَّ أَنْتَ حَبِيبُهَا [فَإِنْ أُعْطَ لَيْلَى فِي حَيَاتِي لَا يَتُبْ إِلَى اللَّهِ خَلْقٌ تَوْبَةً لَا أَتُوبُهَا] حَتَّى إِذَا كَانَ بِمِنًى نَادَى مُنَادٍ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْخِيَامِ: يَا لَيْلَى ، فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ ، وَنَضَحُوا الْمَاءَ عَلَى وَجْهِهِ ، وَأَبُوهُ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ وَقَالَ: وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى فَهَيَّجَ أَحْزَانَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِي دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي أَخْبَرَتْنَا شَهْدَةُ بِإِسْنَادٍ لَهَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ دَأْبٍ ، عَنْ رَبَاحٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ ، قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِمِنًى إِذَا جَمَاعَةٌ عَلَى جَبَلٍ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ فَصَعِدْتُ إِلَيْهِمْ ، فَإِذَا مَعَهُمْ فَتًى أَبْيَضُ حَسَنُ الْوَجْهِ وَقَدْ عَلَاهُ الصَّفَارُ وَبَدَنُهُ نَاحِلٌ وَهُمْ يُمْسِكُونَهُ ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ ، فَقَالُوا: هَذَا قَيْسٌ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَجْنُونُ ، خَرَجَ بِهِ أَبُوهُ لِمَا بُلِيَ بِهِ يَسْتَجِيرُ لَهُ بِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَقَبْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ . قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: فَمَا لَكُمْ تُمْسِكُونَهُ؟ قَالُوا: نَخَافُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ جِنَايَةً تُتْلِفُهُ . قَالَ: وَهُوَ يَقُولُ: دَعُونِي أَتَنَسَّمْ صَبَا نَجْدٍ ، فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: لَيْسَ يَعْرِفُكَ ، لَوْ شِئْتَ دَنَوْتَ مِنْهُ فَأَخْبَرْتَهُ أَنَّكَ قَدِمْتَ مِنْ نَجْدٍ ، وَأَخْبَرْتَهُ عَنْهَا ، قُلْتُ: نَعَمْ أَفْعَلُ ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ ، فَقَالُوا: يَا قَيْسُ ، هَذَا رَجُلٌ قَدِمَ مِنْ نَجْدٍ . قَالَ: فَتَنَفَّسَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كَبِدَهُ قَدْ تَصَدَّعَتْ ، ثُمَّ جَعَلَ يُسَائِلُنِي عَنْ مَوْضِعِ مَوْضِعٍ وَوَادٍ وَادٍ ، وَأَنَا أُخْبِرُهُ وَهُوَ يَبْكِي ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَلَّا حَبَّذَا نَجْدٌ وَطِيبُ تُرَابِهِ وَأَرْوَاحُهُ إِنْ كَانَ نَجْدٌ عَلَى الْعَهْدِ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، قَالَ: لَمَّا تَشَبَّثَ الْمَجْنُونُ بِلَيْلَى وَاشْتُهِرَ بِحُبِّهَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَمَنَعُوهُ مِنْ مُحَادَثَتِهَا وَزِيَارَتِهَا وَتَهَدَّدُوهُ وَتَوَعَّدُوهُ بِالْقَتْلِ ، وَكَانَ يَأْتِي امْرَأَةً فَتَعْرِفُ [لَهُ] خَبَرَهَا ، فَنَهَوْا تِلْكَ الْمَرْأَةَ عَنْ ذَلِكَ ، فَكَانَ يَأْتِي غَفَلَاتِ الْحَيِّ فِي اللَّيْلِ ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ خَرَجَ أَبُو لَيْلَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَنَالُهُمْ مِنْ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ ، وَسَأَلُوهُ الْكِتَابَ إِلَى عَامِلِهِ بِمَنْعِهِ مِنْ كَلَامِ لَيْلَى ، وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ فِي تَرْكِ زِيَارَتِهَا ، فَإِذَا أَصَابَهُ أَهْلُهَا عِنْدَهُمْ فَقَدْ أُهْدِرَ دَمُهُ . فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى عَامِلِهِ بَعَثَ إِلَى قَيْسٍ وَأَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، فَجَمَعَهُمْ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ مَرْوَانَ ، وَقَالَ لِقَيْسٍ: اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ لَا تُذْهِبْ دَمَكَ هَدَرًا ، فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا حُجِبَتْ لَيْلَى وَآلَى أَمِيرُهَا عَلَيَّ يَمِينًا جَاهِدًا لَا أَزُورُهَا وَوَاعَدَنِي فِيهَا رِجَالٌ أَبُوهُمُ أَبِي وَأَبُوهَا خُشِّنَتْ لِي صُدُورُهَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّهَا وَأَنَّ فُؤَادِي عِنْدَ لَيْلَى أَسِيرُهَا فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهَا وَعَلِمَ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا صَارَ شَبِيهًا بِالتَّائِهِ الْعَقْلِ ، وَأَحَبَّ الْخَلْوَةَ وَحَدِيثَ النَّفْسِ ، وَتَزَايَدَ الْأَمْرُ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ ، وَلَعِبَ بِالْحَصَى وَالتُّرَابِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا إِلَّا ذِكْرَهَا ، وَقَوْلَ الشِّعْرِ فِيهَا ، وَبَلَغَهَا مَا صَارَ إِلَيْهِ قَيْسٌ فَجَزِعَتْ أَيْضًا لِفِرَاقِهِ ، وَضَنِيَتْ ضِنًى شَدِيدًا . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ يُونُسَ النَّحْوِيِّ: أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ سَأَلَتْ لَيْلَى فَحَضَرَتْ عِنْدَهُ لَيْلًا ، وَقَالَتْ: إِنَّ أَمَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي ، فَقَالَ: قَالَتْ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي فَقُلْتُ لَهَا الْحَبُّ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ الْحَبُّ لَيْسَ يَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ فَبَكَتْ مَعَهُ وَتَحَدَّثَا حَتَّى كَادَ الصُّبْحُ [أَنْ] يُسْفِرَ ، ثُمَّ وَدَّعَتْهُ وَانْصَرَفَتْ ، فَكَانَ آخِرَ عَهْدِهِ بِهَا . وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ أَبَا الْمَجْنُونِ قَيَّدَهُ ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ لَحْمَ ذِرَاعَيْهِ ، وَيَضْرِبُ بِنَفْسِهِ الْأَرْضَ ، فَأَطْلَقَهُ يَدُورُ فِي الْفَلَاةِ عُرْيَانًا . وَلَمَّا زُوِّجَتْ لَيْلَى ، وَقِيلَ: غَدًا تَرْحَلُ ، قَالَ الْمَجْنُونُ يُنْشِدُ: كَأَنَّ الْقَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ يُغْدَى بِلَيْلَى الْعَامِرِيَّةِ أَوْ يُرَاحُ قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَكٌ فَبَاتَتْ تَجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ وَرُوِّينَا أَنَّ لَيْلَى لَمَّا زُوِّجَتْ جَاءَ الْمَجْنُونُ إِلَى زَوْجِهَا وَهُوَ يُصَلِّي فِي يَوْمٍ شَاتٍ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: بِرَبِّكَ هَلْ ضَمَمْتَ إِلَيْكَ لَيْلَى قُبَيْلَ الصُّبْحِ أَوْ قَبَّلْتَ فَاهَا وَهَلْ رَفَّتْ عَلَيْكَ قُرُونُ لَيْلَى رَفِيفَ الْأُقْحُوَانَةِ فِي نَدَاهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ حَلَّفْتَنِي فَنَعَمْ ، فَقَبَضَ الْمَجْنُونُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ مِنَ الْجَمْرِ ، فَمَا فَارَقَهُمَا حَتَّى سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، فَسَقَطَ الْجَمْرُ مَعَ لَحْمِ رَاحَتَيْهِ . وَكَانَتْ لَهُ دَايَةٌ يَأْنَسُ بِهَا ، وَكَانَتْ تَخْرُجُ إِلَى الصَّحْرَاءِ فَتَحْمِلُ لَهُ رَغِيفًا وَمَاءً ، فَرُبَّمَا أَكَلَهُ وَرُبَّمَا تَرَكَهُ ، حَتَّى جَاءَتْ يَوْمًا وَهُوَ مُلْقًى بَيْنَ الْأَحْجَارِ مَيِّتًا ، فَاحْتَمَلُوهُ إِلَى الْحَيِّ ، فَغَسَّلُوهُ وَدَفَنُوهُ ، وَلَمْ يَبْقَ فِي بَنِي جَعْدَةَ وَلَا فِي بَنِي الْحَرِيشِ امْرَأَةٌ إِلَّا خَرَجَتْ حَاسِرَةً صَارِخَةً عَلَيْهِ تَنْدُبُهُ ، وَاجْتَمَعَ فِتْيَانُ الْحَيِّ يَبْكُونَ عَلَيْهِ أَشَدَّ بُكَاءٍ ، وَيَنْشُجُونَ أَشَدَّ نَشِيجٍ ، وَحَضَرَهُمْ حَيُّ لَيْلَى مُعَزِّينَ وَأَبُوهَا مَعَهُمْ ، وَكَانَ أَشَدَّ الْقَوْمِ جَزَعًا وَبُكَاءً عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ يَقُولُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ كُلَّ هَذَا ، وَلَكِنِّي امْرُؤٌ عَرَبِيٌّ أَخَافُ مِنَ الْعَارِ ، وَقُبْحِ الْأُحْدُوثَةِ ، فَزَوَّجْتُهَا وَخَرَجَتْ عَنْ يَدِي ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَمْرَهُ يَجْرِي عَلَى هَذَا مَا أَخْرَجْتُهَا عَنْ يَدِهِ ، فَمَا رُئِيَ يَوْمًا كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْهُ . وَبَيْنَمَا هُمْ يُقَلِّبُونَهُ وَجَدُوا خِرْقَةً فِيهَا مَكْتُوبٌ: أَلَا أَيُّهَا الشَّيْخُ الَّذِي مَا بِنَا يَرْضَى شَقِيتَ وَلَا هَنِيتَ مِنْ عَيْشِكَ الْخَفْضَا شَقِيتَ كَمَا أَشْقَيْتَنِي وَتَرَكْتَنِي أَهِيمُ مَعَ الْهُلَّاكِ لَا أُطْعَمُ الْغَمْضَا كَأَنَّ فُؤَادِي فِي مَخَالِيبِ طَائِرٍ إِذَا ذُكِرَتْ لَيْلَى يَشُدُّ بِهَا قَبْضَا كَأَنَّ فِجَاجَ الْأَرْضِ حَلْقَةُ خَاتَمٍ عَلَيَّ فَمَا تَزْدَادُ طُولًا وَلَا عَرْضَا وَمِنْ أَشْعَارِهِ الرَّائِقَةِ قَوْلُهُ: وَشُغِلْتُ عَنْ فَهْمِ الْحَدِيثِ سِوَى مَا كَانَ مِنْكِ فَإِنَّهُ شُغُلِي وَأُدِيمُ لَحْظَ مُحَدِّثِي لِيَرَى أَنْ قَدْ فَهِمْتُ وَعِنْدَكُمْ عَقْلِي وَقَوْلُهُ: عَجِبْتُ لِعُرْوَةَ الْعُذْرِيِّ أَمْسَى أَحَادِيثًا لِقَوْمٍ بَعْدَ قَوْمِ وَعُرْوَةُ مَاتَ مَوْتًا مُسْتَرِيحًا وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ بِكُلِّ يَوْمٍ وَقَدْ رُوِّينَا مُتَقَدِّمًا أَنَّهُ كَانَ يَهِيمُ فِي الْبَرِّيَّةِ مَعَ الْوَحْشِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مَا يَنْبُتُ فِي الْبَرِّ مِنْ بَقْلٍ ، وَلَا يَشْرَبُ إِلَّا مَعَ الظِّبَاءِ إِذَا وَرَدَتْ مَنَاهِلَهَا ، وَطَالَ شَعَرُ جَسَدِهِ وَرَأْسِهِ ، وَأَلِفَتْهُ الْوَحْشُ وَكَانَتْ لَا تَفِرُّ مِنْهُ ، وَجَعَلَ يَهِيمُ حَتَّى بَلَغَ حُدُودَ الشَّامِ ، فَإِذَا ثَابَ عَقْلُهُ إِلَيْهِ رَجَعَ وَسَأَلَ مَنْ يَمُرُّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَنْ نَجْدٍ ، فَيُقَالُ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ نَجْدٍ ، قَدْ شَارَفْتَ الشَّامَ ، فَيَقُولُ: فَأَرُونِي الطَّرِيقَ ، فَيَدُلُّونَهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية