الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              الْبَابُ السَّابِعُ فِي بَيَانِ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى وَيُقَالُ لَهَا : الْعُظْمَى ، وَبَدْرُ الْقِتَالِ ، وَيَوْمُ الْفُرْقَانِ ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَصَحَّحَهُ ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . وَهِيَ الْوَقْعَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا الْإِسْلَامَ ، وَدَفَعَ الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ ، وَجَمَعَتِ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةَ وَالْبَرَاهِينَ الشَّهِيرَةَ ، وَلِيُحَقِّقَ اللَّهُ تَعَالَى مَا وَعَدَهُمْ مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ مَيْلِهِمْ إِلَى الْعِيرِ دُونَ الْجَيْشِ ، وَمَجِيءُ الْمَطَرِ عِنْدَ الِالْتِقَاءِ ، وَكَانَ لِلْمُسْلِمِينَ نِعْمَةً وَقُوَّةً ، وَعَلَى الْكُفَّارِ بَلَاءً وَنِقْمَةً . وَإِمْدَادُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِجُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى سَمِعُوا أَصْوَاتَهُمْ حِينَ قَالُوا : أَقْدِمْ حَيْزُومُ ، وَرَأَوُا الرُّؤُوسَ تَتَسَاقَطُ مِنَ الْكَوَاهِلِ مِنْ غَيْرِ قِطْعٍ وَلَا ضَرْبٍ ، وَأَثَرَ السِّيَاطِ فِي أَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ ، وَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ بِالْحَصَا وَالتُّرَابِ حَتَّى عَمَّتْ رَمْيَتُهُ الْجَمِيعَ ، وَتَقْلِيلُ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِيُزِيلَ عَنْهُمُ الْخَوْفَ ، وَيُشَجِّعَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ ، وَإِشَارَةُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَصَارِعِ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ : هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ ، هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ ، فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَهُ ، وَقَوْلُهُ لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ : إِنْ وَجَدْتُكَ خَارِجَ جِبَالِ مَكَّةَ قَتَلْتُكَ صَبْرًا ، فَحَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ، وَإِخْبَارُ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ بِمَا اسْتَوْدَعَ أُمَّ الْفَضْلِ مِنَ الذَّهَبِ ، فَزَالَتْ شُبْهَةُ الْعَبَّاسِ فِي صِدْقِهِ وَحَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ ، فَازْدَادَ بَصِيرَةً وَيَقِينًا فِي أَمْرِهِ ، وَتَحْقِيقُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَعْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إِذْ يَقُولُ : إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الْأَنْفَالِ : 70] فَأَعْطَى الْعَبَّاسَ بَدَلَ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً عِشْرِينَ غُلَامًا يَتَّجِرُونَ لَهُ بِمَالِهِ . وَإِطْلَاعُ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَى ائْتِمَارِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ عَلَى قَتْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِإِسْلَامِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ ، وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ دَاعِيًا إِلَى الْإِسْلَامِ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَرَاهَا مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَزَادَتْهُمْ بَصِيرَةً وَيَقِينًا . وَرَدُّ عَيْنِ قَتَادَةَ بَعْدَمَا سَالَتْ عَنْ خَدِّهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أُحُدٍ . وَكَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى أَكْرَمَ الْمَشَاهِدِ . وَالسَّبَبُ فِي خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مُقْبِلٌ مِنَ الشَّامِ فِي أَلْفِ بَعِيرٍ لِقُرَيْشٍ ، فِيهَا أَمْوَالٌ عِظَامٌ ، وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ قُرَشِيٌّ وَلَا قُرَشِيَّةٌ لَهُ مِثْقَالٌ فَصَاعِدًا إِلَّا بَعَثَ بِهِ فِي الْعِيرِ ، فَيُقَالُ : إِنَّ فِيهَا خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَيُقَالُ أَقَلُّ . وَفِيهَا سَبْعُونَ رَجُلًا كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ عَائِذٍ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ ، مِنْهُمْ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَأَسْلَمَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهِيَ الَّتِي خَرَجَ لَهَا حَتَّى بَلَغَ الْعُشَيْرَةَ فَوَجَدَهَا قَدْ مَضَتْ . وَنَدَبَ الْمُسْلِمِينَ لِلْخُرُوجِ مَعَهُ وَقَالَ : هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ فَاخْرُجُوا؛ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُغَنِّمَكُمُوهَا ، فَانْتَدَبَ النَّاسَ ، فَخَفَّ بَعْضٌ ، وَثَقُلَ بَعْضٌ ، وَتَخَلَّفَ عَنْهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ ، وَكَانَ مَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يُلَمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْقَى حَرْبًا ، وَلَمْ يَحْتَفِلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتِفَالًا بَلِيغًا ، فَقَالَ : مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا . فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي ظُهُورِهِمْ فِي عُلُوِّ الْمَدِينَةِ ، قَالَ : لَا ، أَلَا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا ، وَحَمَّلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عِشْرِينَ جَمَلًا ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ بِعَشْرِ لَيَالٍ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى طَرِيقِ الشَّامِ ، يَتَحَسَّسَانِ خَبَرَ الْعِيرِ ، فَبَلَغَا أَرْضَ الْخُوَارِ ، بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُخَفَّفَةِ وَبِالرَّاءِ- فَنَزَلَا عَلَى كُثَيِّرِ بْنِ مَالِكٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَجَارَهُمَا ، وَأَنْزَلَهُمَا وَكَتَمَ عَلَيْهِمَا حَتَّى مَرَّتِ الْعِيرُ ، ثُمَّ خَرَجَا ، وَخَرَجَ مَعَهُمَا كُثَيِّرٌ خَفِيرًا ، حَتَّى أَوْرَدَهُمَا ذَا الْمَرْوَةِ ، فَقَدِمَا لِيُخْبِرَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَاهُ قَدْ خَرَجَ . وَلَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْبُعَ أَقْطَعَهَا لِكُثَيِّرٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كَبِيرٌ وَلَكِنِ اقْطَعْهَا لِابْنِ أَخِي ، فَأَقْطَعُهُ إِيَّاهَا ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ . رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ . وَأَدْرَكَ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ بِالزَّرْقَاءِ مِنْ نَاحِيَةِ مَعَانٍ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ عَرَضَ لِعِيرِهِ فِي بِدَايَتِهِ ، وَأَنَّهُ تَرَكَهُ مُقِيمًا يَنْتَظِرُ رُجُوعَ الْعِيرِ ، وَقَدْ خَالَفَ عَلَيْهِمْ أَهْلَ الطَّرِيقِ وَوَادَعَهُمْ ، فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ خَائِفِينَ لِلرَّصْدِ . وَلِمَا دَنَا أَبُو سُفْيَانَ مِنَ الْحِجَازِ جَعَلَ يَتَحَسَّسُ الْأَخْبَارَ ، وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنَ الرُّكْبَانِ؛ تَخَوُّفًا عَلَى أَمْرِ النَّاسِ ، حَتَّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ : إِنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اسْتَنْفَرَ لَكَ وَلِعِيرِكَ ، فَحَذَرَ عِنْدَ ذَلِكَ وَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ بِعِشْرِينَ مِثْقَالًا ، فَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْدَعَ بِعِيرَهُ ، وَيُحَوِّلَ رَحْلَهُ ، وَيَشُقَّ قَمِيصَهُ مِنْ قُبُلِهِ وَمِنْ دُبُرِهِ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ ، وَيَأْتِي قُرَيْشًا ، وَيَسْتَنْفِرُهُمْ إِلَى أَمْوَالِهِمْ ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي أَصْحَابِهِ ، فَخَرَجَ ضَمْضَمٌ سَرِيعًا إِلَى مَكَّةَ ، وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية