الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              الْبَابُ الْعَاشِرُ : فِي رُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُقُوبَةِ الزَّانِي وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ كِتْمَانِهِمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ حُكْمِهِ وَصِفَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَحْمَدُ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلَائِلِ" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَالشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ أَحْبَارَ يَهُودَ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ زَنَى رَجُلٌ بَعْدَ إِحْصَانٍ بِامْرَأَةٍ مِنْ يَهُودَ قَدْ أَحْصَنَتْ- قَالَ جَابِرٌ : مِنْ أَهْلِ فَدَكَ ، كَتَبَ أَهْلُهَا إِلَى أُنَاسٍ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ "أَنْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالْجَلْدِ فَخُذُوهُ عَنْهُ ، وَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالرَّجْمِ فَلَا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ" . انْتَهَى . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَلَمَّا اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ قَالَ : ابْعَثُوا بِهَذَا الرَّجُلِ وَبِهَذِهِ الْمَرْأَةِ إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَفِي لَفْظٍ : اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَإِنَّهُ بُعِثَ بِتَخْفِيفٍ ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ وَقُلْنَا فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالُوا : وَلُّوهُ الْحُكْمَ فِيهِمَا ، فَإِنْ عَمِلَ فِيهِمَا بِعَمَلِكُمْ مِنَ التَّجْبِيَةِ- وَهِيَ الْجَلْدُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ مَطْلِيٍّ بِقَارٍ ثُمَّ تُسَوَّدُ وُجُوهُهُمَا ، ثُمَّ يُحْمَلَانِ عَلَى حِمَارَيْنِ وَتُجْعَلُ وُجُوهُهُمَا مِنْ قِبَلِ أَدْبَارِ الْحِمَارَيْنِ- فَاتَّبِعُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ مَلِكٌ سَيِّدُ قَوْمٍ ، وَإِنْ هُوَ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرَّجْمِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يَسْلُبَكُمُوهُ . فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ ، فَقَالُوا : "يَا أَبَا الْقَاسِمِ هَذَا رَجُلٌ قَدْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَحْصَنَتْ ، فَاحْكُمْ فِيهِمَا فَقَدْ وَلَّيْنَاكَ الْحُكْمَ فِيهِمَا" . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ؟" قَالُوا : نَفْضَحُهُمَا وَيُجْلَدَانِ . وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا : دَعْنَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَقُلْ مَا عِنْدَكَ . فَأَفْتَاهُمْ بِالرَّجْمِ ، فَأَنْكَرُوهُ . فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ : "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَخْرِجُوا إِلَيَّ عُلَمَاءَكُمْ" . فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَا وَأَبَا يَاسِرِ بْنَ أَخْطَبَ ، وَوَهْبَ بْنَ يَهُوذَا ، فَقَالُوا : إِنَّ هَؤُلَاءِ عُلَمَاؤُنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ؟ قَالُوا : يُحَمَّمُ وَيُجَبَّبُ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ . فَأَتَوْهُ بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا ، فَوَضَعَ [أَحَدُهُمْ] يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ . فَرَفَعَهَا ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ . قَالَ : صَدَقَ مُحَمَّدٌ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَقْسَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَكَتَ شَابٌّ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ أَلَظَّ بِهِ الْمَسْأَلَةَ ، فَقَالَ : إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "فَمَا أَوَّلُ مَا رَخَّصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟" قَالَ : زَنَى رَجُلٌ ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فَأُخِّرَ عَنْهُ الرَّجْمُ . ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ ، فَأَرَادُوا رَجْمَهُ فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ بَيْنَهُمْ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ الزِّنَى كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا ، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَقُلْنَا : تَعَالَوْا حَتَّى نَجْعَلَ شَيْئًا وَنُقِيمَهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ . فَأَجْمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ ، أَمَا وَاللَّهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ إِنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ قَدِيمًا بِالشَّهْوَةِ" . فَجَاءُوا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ ، فَشَهِدُوا بِأَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِالْبَلَاطِ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يُجْنِئُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِيَقِيَهَا الْحِجَارَةَ ، وَفِي لَفْظٍ : فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ . تَنْبِيهٌ : فِي بَيَانِ غَرِيبِ مَا سَبَقَ : "بَيْتُ الْمِدْرَاسِ" : بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهُوَ الْبَيْتُ الَّذِي يَقْرَأُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كُتُبَهُمْ . "التَّجْبِيهُ" : بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ ، فُسِّرَ الْحَدِيثُ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ وَالْمُخَالَفَةِ فِي الرُّكُوبِ ، قَالَ ثَابِتُ بْنُ قَاسِمٍ : وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ التَّعْيِيرَ وَالْإِغْلَاظَ مِنْ جَبَهْتُ الرَّجُلَ : أَنْ قَابَلْتَهُ بِمَا يَكْرَهُ ، وَضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِمُثَنَّاةٍ فِي آخِرِهِ وَقَبْلَهَا حَرَكَةٌ ، وَأَصْلُهُ الْبُرُوكُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ هُنَا . "صُورِيَا" : بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَآخِرُهُ يَاءٌ وَأَلِفٌ . "يَاسِرٌ" : بِتَحْتِيَّةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ . "أَخْطَبُ" : بِوَزْنِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ ، مِنَ الْخُطْبَةِ . "أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ" : أُذَكِّرُكُمْ ، أَوْ سَأَلْتُكُمْ بِهِ مُقْسِمًا عَلَيْكُمْ . "تَلُوحُ" : تَبْدُو . "أَلَظَّ" بِهِ : لَازَمَهُ . "النِّشْدَةُ" : بِكَسْرِ النُّونِ ، مِنَ الْمُنَاشَدَةِ . "الْأُسْرَةُ" : الْقُوَّةُ . "الْبَلَاطُ" - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ : الْحِجَارَةُ الْمَفْرُوشَةُ ، وَمَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا . "يُجْنِئُ عَلَيْهَا" : يُكِبُّ وَيَمِيلُ عَلَيْهَا .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية