الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              الْبَابُ السَّادِسُ : فِي سَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ رَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنِ الضَّحَّاكِ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ ، جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : "يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ" ؟ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتُقِعَ لَوْنُهُ ، ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَسَكَّنَهُ وَقَالَ : "خَفِّضْ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ" ، وَجَاءَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ [عَنْهُ] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاصِ 1] ، أَصْلُ أَحَدٍ هُنَا وَاحِدٌ ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْوَاحِدِ ، قُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْجَلَالِ ، كَمَا دَلَّ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ ، إِذِ الْوَاحِدُ الْحَقِيقِيُّ مَا يَكُونُ مُنَزَّهَ الذَّاتِ عَنِ اتِّحَادِ التَّرْكِيبِ وَالتَّعَدُّدِ ، وَمَا يَسْتَلْزِمُهُ أَحَدُهُمَا كَالْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ (اللَّهُ الصَّمَدُ ) : الْمَقْصُودُ فِي الْحَوَائِجِ عَلَى الدَّوَامِ ، أَوْ هُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى فِي سُؤْدُدِهِ ، فَيَصْمُدُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ ، وَالْخَلَائِقُ يَفْتَقِرُونَ إِلَى رَحْمَتِهِ ، أَوْ هُوَ مَنْ لَا جَوْفَ لَهُ ، أَوْ هُوَ الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ ، أَوِ الَّذِي لَا يَطْعَمُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ ، أَوِ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمَوْصُوفُ بِهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَإِنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا ، وَكُلُّ مَا عَدَاهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ جِهَاتِهِ ، وَتَعْرِيفُهُ بِصَمَدِيَّتِهِ بِخِلَافِ أَحَدِيَّتِهِ . وَتَكَرَّرَ الِاسْمُ الْكَرِيمُ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُلُوهِيَّةَ ، وَإِخْلَاءُ الْجُمْلَةِ مِنَ الْعَاطِفِ ، لِأَنَّهَا كَالنَّتِيجَةِ لِلْأُولَى ، أَوِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا . (لَمْ يَلِدْ ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ لَمْ يَلِدْ أَحَدًا ، وَالْأَصْلُ يَوْلِدُ ، حُذِفَتِ الْوَاوُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَصَارَ مِثْلَ "يَعِدُ" . (وَلَمْ يُولَدْ ) : النَّائِبُ عَنِ الْفَاعِلِ مَحْذُوفٌ ، أَيْ لَمْ يَلِدْهُ أَحَدٌ ، وَثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي يُولَدْ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرَةٍ . وَلَمَّا كَانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ قَدِيمًا ، مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ ، وَكَانَ كُلُّ مَوْلُودٍ مُحْدَثًا انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ ، وَلَمَّا كَانَ لَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يُجَانِسُهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ صَاحِبَةٌ فَيَتَوَالَدُ ، انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ [الْأَنْعَامِ 101] ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ : أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ يُكَافِئُهُ ، أَيْ يُمَاثِلُهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَغَيْرِهَا "وَلَهُ" مُتَعَلِّقٌ بِ- "كُفُوًا" وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحَطُّ الْقَصْدِ ، وَأَخَّرَ "أَحَدٌ" وَهُوَ اسْمُ "يَكُنْ" عَنْ خَبَرِهَا رِعَايَةً لِلْفَاصِلَةِ . وَلِاشْتِمَالِ هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ قِصَرِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ أَلْحَدَ فِيهَا ، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ مَقَاصِدَهُ مَحْصُورَةٌ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ وَالْقَصَصِ ، وَمِنْ عَدْلِهَا اعْتُبِرَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : "فَلَمَّا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ ، قَالُوا : "فَصِفْ لَنَا يَا مُحَمَّدُ رَبَّكَ كَيْفَ خَلْقُهُ ، كَيْفَ ذَرْعُهُ ، كَيْفَ عَضُدُهُ" ؟ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ الْأَوَّلِ ، وَسَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ . فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، وَجَاءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزُّمَرِ 67] ، أَيْ مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَمَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ حِينَ أَشْرَكُوا بِهِ وَشَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ . وَالْأَرْضُ جَمِيعًا ، جَمِيعًا : حَالٌ ، أَيِ السَّبْعُ ، قَبْضَتُهُ أَيْ مَقْبُوضَةٌ لَهُ ، أَيْ فِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ أَيْ مَجْمُوعَاتٌ ، "بِيَمِينِهِ" أَيْ بِقُدْرَتِهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ مَعَهُ . تَنْبِيهٌ : كَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَرَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا غَيْرَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية